النهار اللبنانية
عمر الشيخ
الجمعة -22-6-2012
“ملاك متردد”، قصائد لم تُكتب بعد، وصاحبتها الشاعرة الشابة رنا زيد لا تزال تفكر في إعادة ترتيب الثلاثين عاماً التي عاشتها، في أول ديوان شعري صدر لها حديثاً عن “الدار العربية للعلوم ناشرون”، عبر لغة تتخذ من مشاهدتها محركاً حسياً تلتقط من خلاله أفكارها وأحلامها وانشغالاتها النفسية والإنسانية، معتمدة على البوح الفطري ضمن قالب شعري يذهب نحو البساطة في التكثيف الصوري.
تتخلى زيد عن حماية القدر، وتتمسك بوحش متخيل يظهر في العناوين ملغوماً (كنتُ وحشاً، أمثل مع الوحش دوراً ما، يكرهون الوحوش)، وأحياناً يختبئ بين السطور، معلناً توحده مع الشاعرة بعدما أصابت رصاصة الرعب قلب الأنثى وأصبحت تصنع بأظفارها بيتاً من الكلمات لتعيش فيه بعيداً عن السموات: “أنا والله وأنت/ عصفوران وقناص/ لا يتذكر القناص شيئاً عن ماضيه/ سرعته تنسيه ما يتلذذ به”. يصبح الوحش قلباً منحوتاً على أناة الوحشة ويمشي نحو عراك الأشياء والطبيعة، وتستيقظ أوجاعه المربوطة بالخوف وتتجه بخطوات مترددة إلى مسرح الحياة: “أنا من تضع النص الأناني للحقيقة/ ولن تواسيني كلماتهم لأعدّلهُ/ وأترك الخشبة”. الوحش هنا ملاك روحاني، يدافع عما بقي من أمل في صرخة الوجود، يركض من التعب، وهيئته لهاث قصيدة نسيت خطواتها على أرض الوحشة: “ألعب مع وحشي بخيوط الموت/ أعطيه خبزي كله/ يأكله كأرنبٍ خائف من ماضٍ يلحقه/ تاركاً وراءه البطء على الطريق”.
أفكار رنا زيد تتخطى التشبيه والثقل في اختيار التراكيب، فهي تعتني بالصورة من خلال تلقائيتها المبنية على شكل قصصي متصاعد يتداخل مع النص ليهرب من جسد الحكاية، متحولاً مرايا سحرية تنقل الصوت إلى إيقاع اللمحة السريعة للفكرة والمجاز: “في الثلاثين من عمري/ خفيفة أنا على الطرقات،/ أبتكر الريح التي تريد إنهاء فصل موحش”. تقارب الشاعرة تعريفاً شعرياً لذاتها، معريةً ذاكرتها من التفاصيل عبر استعارة ذكية لمفارقات الجُمل، بحيث تدمج بين ماهية الملاك وشهوة الكائن البشري: “على السرير/ لي هيئة ملاك متردد/ أمسك عشر ياسمينات ذابلة/ وأغلق صندوق الذكريات السّود”. لكنها تحب الرجل الذي بلحية قنفذ، ولا تسأل الله أن يكون بدل ظلها الذي غاب، إنما تطلب منه أن يرسل من يهتم بأوراقها الصفراء، وتتفق مع وحشها لتتسلى: “سأتفق مع وحشي/ دعنا نخدعهم قليلاً/ من يعتقدون أنني لست إلا ظلاً هزيلاً/ يأكل العتمة والأضواء المستعجلة لأرواح الشارع”. يفتك عدم الاستقرار في البهجة أو في الحالة الشعرية عموماً بمزاج الشاعرة، ليكشف الغموض الهائل الذي تعيش على وقعه قصائدها، والتي تحلم أحياناً بأنها تفوقت عليه، لكنها تسلم للكلمة مصيرها وتستسلم للعزلة: “أحتاج قليلاً من الأبد والزهر/ لأرسم وجه وحشي/ حتى لا أخافه”.
تكتب رنا زيد من وعيها القاسي لنضجها المبكر وهي لا تزال تحلم بأغنية شعبية تنادي من خلالها الملائكة والله ليلعبوا بعيداً عن الذكريات الأليمة حيث تقسم بذاك فوق قبر أمّها: “نحمل مسدساً/ نقتل كل أخرق في صور الذكريات”، “بصوت مرتفع شعبي جداً/ ننادي الله لينضم إلينا/ فهو طيب القلب/ يا أمي”. تستخدم أكثر من شكل في تكوين قصائدها الفني، من القصيدة ذات المقطع الواحد الى التنويعات النثرية على جمل شعرية تُظهر قدراتها اللغوية: “خصمك داخلي يقول:/ دائماً أظنّك ضدي مع الغياب/…/ الاتجاه خاطئ/ تشير بإصبعك إلى صدري:/ دائماً الخوف ضدك”، فإلى المرثية أحياناً: “اليوم عيد كل الوجوه الجائعة/ يسيل جسدي بين أصابعي/ ترشقني بما أستحق من قبلات/ كل الآهات تنغرس تحت جدار القلب الرقيق”
