“قصائد مختارة” لفلاديمير هولان: الدم يكفيك لكنه قليل عند القتلة!

عمر الشيخ
جريدة النهار
الثلاثاء 5-6-2012

قليلاً ما تكشف المختارات الشعرية لتجارب كبيرة انطباعاً واضحاً ودقيقاً في تلمس خصوصية الشاعر. هذا ما لاحظناه في مختارات شعرية للشاعر التشيكي فلاديمير هولان (1905 – 1980) عن “دار التكوين” الدمشقية، ترجمة سعدي يوسف، التي تتميز بتنوع مقصود، في كولاج شعري يعبّر عن حساسية مفرطة بالأحلام والموت والمواقف الإنسانية التي تشغل الشاعر في نظرته إلى الحياة والكون.
جاءت مختارات القصائد متسلسلة بحسب تواريخ إصدار مجموعات الشاعر منذ 1942 حتى 1969، واختلفت في مواضيعها وشكلها بحكم تطور التجربة، حيث نلاحظ تداخل الذكريات والصور المتخيلة في شريط إنساني مملوء بالريح والتعب، يعيد فيه هولان الى الفلسفة اعتبارها الموسيقي في التفاصيل العابرة كما في مختارات مجموعة “بلا عنوان” ومجموعة “متقدماً”: “الهواء البللور يقصي أي تمثال/ حتى بدائلنا يرفضون أن يقدموا/ شهادتهم الشبحية بأننا أحياء/ اللارؤية تسمى مسعورة/ حتى أننا لنغمض، ببساطة عيوننا/ النبيذ الجيد لا يحتاج إلى إعلان/ والفن أيضاً”.
يحرص هولان على صناعة الفكرة شعرياً، والدخول إلى عوالم التأمل الفطري، فيبتكر عبارته من احتمالات المصادفة، ويرسم على منوال خياله أسئلةً الحقيقة ويترك أبواب الإجابة رهن ذكاء القارئ وقدرته على الدخول الفوري إلى هذا العالم الصغير من الشعر، تماماً كما في “شكوى رجل ميت”، التي يختزلها في فكرة عودة شاب من الحرب إلى أهله بعد تأكدهم من خبر وفاته: “لم يخطر ببالي أني سأفزعهم/ لكن ما داموا يعتقدون بأنني لست أنا/ فقد كان عليَّ ألا أقول بأنني حيّ/ كل شيء اختفى في الهواء الشفيف/ بين البنفسج وأزهار الثالوث”. هنا يضع الجواب بين دفتي الخوف والرحيل، ويترك لذاته اختيار الدرب مجدداً، إما الحرب وإما إعادة الهذيان لأهله، كأنه يقع في مصيدة قدره المؤجل. لن يفكر في العودة لئلا يخرّب هندسة حياتهم التي اعتادوها بعد موته: “أمامي مشهد الطبيعة المخطط بخيوط العنكبوت/ شقائق النعمان، وضوء القمر/ وساعة منبهة على سور المقبرة”.
نلاحظ في مختارات مجموعة “حوار ثلاثي” تقبل زيارة الموت كصديق، نشاهده يَعُدّ فتات جسده بحب لا يموت، على رغم ارتجافه كالورقة الأخيرة على شجرة عجوز، وإيمانه المطلق بسقوط الإدعاء الأخير، لأن لوح المشرحة بالغ البساطة. هذا التسامح الشديد مع القدر يحيلنا على الفلسفة مجدداً التي يلعب عليها هولان ويبرز ذلك في سؤاله: كيف نكون يائسين وحكيمين في آن واحد؟: “ليست المسألة أنني لا أريد أن أحيا/ لكن الحياة كاذبة/ إلى حد أنني حتى لو كنت محقاً/ فعليَّ أن ألتمس الحقيقة في الموت”. أمّا في مجموعة “ألم” فتأخذ صفة النزيف طابعاً مستمراً في أجواء المعنى: “في قلبي ينزف الشعر”. هكذا يؤمن الشاعر بقلبه بعدما قدم الى الموت والحياة معاً بطاقة المستحيل للعبور إلى أفكاره وأحلامه. يعود الى قلبه بسهولة وقوة كأنه نزيف شعر داخلي. نلاحظ قسوة الصور وسوداويتها، وارتباط بعضها بفصول السنة، كما في رحيل الخريف، المشابه لرحيل الإنسان وسقوطه التدريجي في اليأس، كأنه ضباب نيساني، إن دهمه الخطر فلن يملك القوة لدفعه، وإن باغتته السعادة فلن يمتلك الوقت لاحتوائها، حتى المنتحر يعتقد أنه يستطيع المغادرة لكنه لا يدرك أن: “الألم وحده لم يعد بحجم الحياة/ إنه أكبر من الإنسان/ لكن على الإنسان أن يسكنه قلبه”. يتنقل هولان في استدراكه المستمر عبر الـ “لكن” من جملة إلى أخرى كأنه يشهق من رعب الكارثة، ويتوقع للعالم أملاً وحيداً وسريعاً في الفرح على الرغم من سطوة الحروب والقتل. يحاول رسم خطوط فرعية في شعره للضوء الآخر، ضوء السعادة كما في قصائد مجموعة “النفس الأخير” يقول: “الزمن يرقص رديئاً/ بأحذية المأساة المهترئة/ ويشهد ضد الحب”. في ضفة أخرى يخاطب الشاعر نفسه، مردداً على مسامع قلبه هزائم السقوط التي يعيشها كل يوم من شدة الشعر، فيشاهد صراعه النبيل مع الزمن والكلمات مليئاً بالجراح والانكسارات لكن صراعه لا يعني شيئاً أمام ما يفعله الطغاة: “الدم يكفيك، لكنه قليلٌ عند القتلة!”.
يكمل الشاعر رتوشاته الأخيرة مع “قصائد إضافية” ويقارب من خلاله حكمته الأجمل التي أنتجتها التجارب والرحلات الشعرية مع البشر والأمكنة والذاكرة واللحظات الجميلة، كأنه يعرف أنه سيرحل قريباً فيكتب باختزال عن حلمه السري الذي كان يعيشه دوماً: “ما قلته، فعشته/ كان للموتى/ الفرح وحده، هو الموجود حقاً/ في أوانه، لأنه وحده الفوري/ الأكثر حضوراً/ الأكثر زوالاً”.

http://www.annahar.com/

أضف تعليق