عمر الشيخ
تضعف ثقافة الإقناع لدى بعض الوجوه التلفزيونية التي لم نسمع باسمها إلا في الوقت الراهن لتلتصق بهويتها ألقاب من عيار (محلل سياسي- مفكر وباحث.. إلخ) الأمر الذي أصبح موضة شوّهت الحقيقة وأغفلت المبادئ الأساسية في وضع المشاهد أمام براهين دامغة تسودها الحيادية والذكاء، لا التبعية والشطارة في الشتيمة..!
لا يشتغل المنقبون في الشؤون المحلية والعربية والعالمية في التحليل الموضوعي عادةً، فهم يكيلون الاتهامات والشتائم بالمجان نحو أي جهة أو شخص قد لا يعجبهم أو لا تعجبهم أساليب تفكيرهم، علماً أن أبسط سبل مواجهة الآخر هي التمكن من مفاصل ثقافته، وعبورها بقراءات موضوعية، ولكن كيف يمكن الاعتماد على مجتمع غيّب تماماً عن هذه الحياة والسجالات وأشغل في لقمة عيشه وسلامة حياته، وبقي منكمشاً على نفسه يبحث عن السكر والرز والغاز وستار أكاديمي ومقالب غوار وربطة الخبز.. وتبلورت لدى الأغلبية غريزة الحيوانية في المشاجرة وأخذ الحق باليد خارج سلطة القانون ونظام العدل الاجتماعي، فكيف حين يقدمون هؤلاء على أنهم نخبة المجتمع، الذين يدافعون عن بعض الأفكار عبر لهجات الشتيمة التلفزيونية!
إن المعرفة التي تسود الوسط الإعلامي الظاهر للمشاهدين في بعض مواقعه يعاني من قلة دراية وتحضير شمولي لكل جوانب القضايا التي تتناولها بعض الفضائيات، فالذهول من كارثة التناول يشي بركود فكري فاحش يسطو على المخيلة والمغامرة في البحث وإثارة الإشكال الجدي والمختلف، إلا إذا اعتبرنا إعادة إنتاج الجدال المستهلك في قالب فضائحي شوارعي هو لغة منطقية في محاكمة الحروب الإعلامية التي تدور رحاها حالياً على مختلف المستويات، وهنا يأتي السؤال: ألا يوجد في المجتمع من هم كفء لهذه الأدوار؟ أم أن الطابع الواحد في التوجه والأمراض المستعصية يلزم وجود شخص محترف السباب ولا يفقه في التحليل والإقناع إلا بعض العبارات التي حفظها في اجتماع لحلقة حزبية أو قرأتها في خطاب مجلة حائط تعيسة كانت تُصدر للأطفال في مراحل الدراسة الابتدائية..!
لم يكلفنا الاعتقاد المطلق بما يقوله الناس إلا مزيداً من القلق وتشويهاً في خفايا الأمور، فكيف إذا كانت الدعائم هي وعود وهمية بالقصاص ممن يصدرون هذه التشويهات الفكرية عبر الشاشة بشكل رئيسي بوصفها كرّست «كمرجعية» للبعض الذين يبحثون عن الراحة ووضع الرأس في التراب وسدّ الآذان.. وتلك الظاهرة تشكل نتيجة حتمية للجهل المحيط والمفاجئ الذي كبر على ضفاف العقل وربما في جوهره الباطن، تماماً كما يحدث في نقد الكتب أو الفتاوى الشرعية، كأن ما يقوله الإنسان كلام منزل لا يحتمل النقد، النقد وليس الإلغاء كما يفعل الآخرون.
بينما تعطينا بعض الدراسات أدوات فكرية للتحليل وقراءة الأمور والقضايا المصيرية والثقافية وغيرها، تجد أناساً لم يقرؤوا شيئاً غير الشيكات التي تصرف لهم ولأصواتهم العالية صاحبة الإيقاع الجهوري في إثبات الذات والفكرة، كأن المناوشات هي الحل الأمثل للتوجه للناس، فيأتي الرأي بصيغة تهديد، إما أن يكون الناس هكذا مثل ما أقول وأنزل، وإما أن يجدوا لهم مكاناً آخر بعيداً عني، هكذا يتفتت المجتمع وتنقسم وجهات النظر في إطار الشراسة البرمجية التي يشحنها الوجه الأنيق الظاهر على الشاشة بحاجبين معقدين وخبط مستمر على الطاولة وبيع كلام مجاني لكل من يؤمن بما يقول.
زمن النبوة انتهى، لم يدرك أكثر الناس هذه الحقيقة، كل ما يقال ويظهر قابل للنقد، في ضمن أي تحول زمني، بعيداً عن ثقافة الحظيرة وتجاوز القانون والعدالة الاجتماعية، وبعيداً عن التشهير بالآخرين، بل الارتقاء بمستوى حضاري في الحديث عبر الشاشة وغيره بمعطيات واضحة تدل على مكنونات القضية بذكاء، لأن الستربتيز التلفزيوني في التحليل اليومي لما يدور في فلك الأزمة الراهنة لا يضيف للمشهد حلولاً بقدر ما يعقد وجهات نظر الناس، وهذا بحد ذاته هدر للوقت وللقيم الإنسانية.
