دمشق – عمر الشيخ
النهار اللبنانية
الأحد 20 أيار 2012

يتيح مؤلف مسرحية “حكاية بلاد ما فيها موت” ومخرجها الفنان السوري كفاح الخوص لحكايات الجدات أن تعيده الى خشبة المسرح ليبحث عن الخلود الكبير من وحي جلجامش، لكن المشهد أكثر قسوة مما يمكن وصفه، حيث تفيض البلاد بالقتل والدماء والرصاص!
هنا مسرح القباني بدمشق، مكان العرض المسرحي الذي كتبه الخوص منذ عام 2008 ليصدر في سلسلة المسرح السوري يوم أُعلنت دمشق عاصمة للثقافة، قبل أن تصبح اليوم عاصمة للموت والرعب. الناس متلهفون داخل الصالة الصغيرة في انتظار هذه الحكايا الأسطورية، ودمشق المتوترة في الخارج لا تأبه لصوت الممثل وهو يفتتح عرضه بكلام مباشر مع الجمهور ليعرّفنا إلى جدوى وقفته الآن على الخشبة، وماذا يمكن أن يحدث لو كان واحداً من المتفرجين، وكيف يستطيع أن يكون في لحظة ما عطراً أو صرخةً أو ذاكرة، طاغيةً أو موتاً أو أملاً. كالحلم كالموسيقى أو كالمقبرة.
بحر الكاتب والمخرج كفاح الخوص، كما سمّته جنية الحكاية رغداء الشعراني، سيغطّ في نوم عميق منتظراً أحلاماً وأمنيات وعالماً آخر، في إحدى القرى المتخيلة والقريبة في آن واحد. من خلال المنام الذي سيكون مادة العرض الطويل، أي 75 دقيقة، سنمر بمشاهداته السوريالية وذاكرته المشحونة بمشاهد القسوة اليومية التي يعيشها في حياته. نشاهد تركز الفرقة الموسيقية في طبقة علوية في عمق الخشبة حيث تلعب دور مرشد التصوير السماعي للتنقل من زمن إلى زمن، ومن حالة درامية إلى أخرى، بينما نشاهد على الطرفين، درجين يستند اليهما الممثلون منتظرين أدوارهم قبيل الدخول إلى الحكايا. في أوقات أخرى يصيرون رواة يقاربون تكملة الشكل العام للعرض كمجموعة حكايات شعبية. بحر، الغارق في نومه، ينظر إلى الجمهور، وعند عتمة الخشبة يتقدم قماشٌ أبيض يقف خلفه الممثلون ليظهروا تدريجياً كلٌّ بحسب اللقطة التي يتذكرها من منامات بحر، كحد فاصل بين الحقيقة والحلم. كلٌّ منهم يتذكر لقطة من يحب قبل موته، كلٌّ منهم يستحضر لحظة الرحيل وتشابه الجثث في قاسم الموت. هي وقفتهم الصامتة في منام لا أكثر، لكن بحر الذي يقف في المقدمة يذرف دموعه كأنه يغص برحيل كل هؤلاء دفعة واحدة.
يستيقظ بحر في لحظة خاطفة وينادي والدته لكنها لا تسمعه. ربما هي ميتة منذ البداية، أو هو تخيل أنها عاشت في المنام فأيقظته. ربما وجوده لا يبدو واضحاً في بلاد يكثر فيها الصراخ ولا تسمعها الأقدار! يعود بحر إلى أحلامه مجدداً، فيدقق هذه المرة في المرآة المثبتة كبوابة لدخول الممثلين وخروجهم، ومنها تقفز جنية الحكاية التي يطلب منها بحر أن تساعده في البحث مجدداً عن بلاد مختلفة لا يرحل فيها الناس ولا تنتهي حياتهم أبداً. الحوار بين الجنية وبحر يدور على ماهية ابتكار القصة وكيف يمكن البحث عن أناس يساعدانهم في ذلك. تروي الجنية قصة البلاد التي يعيش فيها بحر، في إشارة إلى الظلم الذي يعانيه وأهله ومحيطه الاجتماعي جراء بطش السلطان وقوة أفياله التي لا ترحم شيئاً، لا بشراً ولا حجراً. جولة في ثلاث حكايات، مفادها أن العمر مهما طال لا بد للموت من أن يكون خاتمته، حيث يلجأ مخرج العرض إلى حلول تبسيطية في سرد الحكاية معتمداً على لغة السجع المحكي، مختاراً عبارته بحرص وعناية، كأنه يقول حكمة أو يكملها عنه أحد العجائز الثلاثة الذين صادفهم خلال رحلته إلى بلاد ليس فيها موت. إلى ذلك، يوظف الضوء كمدير فعلي لتماسك العرض من حيث تقسيم الخشبة أزمنة وشخصيات مختلفة، بالملابس نفسها أحياناً، إلى حضور الموسيقى كبث مباشر مع العرض على الخشبة، لنشاهد كولاجاً إنسانياً يدمج رغبة بحر في البحث عن بلاد المستحيل التي تخلو من الموت، بشوقه المفاجئ للعودة إلى بلده على رغم الموت المنتشر. هكذا يعود بحر إلى يقظته مرة أخرى ليكشف أنه لا يزال على الأرض في زحام البشر والإسمنت والموت، لا تسمعه أمه، لأن الموتى عادة لا يجيبون، ولا يسمعه الجمهور الذي امتزج بحالة الرفض كأنه ينتظر صرخة أخرى ليقف إلى جانبه.
العرض في مجمله يعرض لتفاصيل يومية يعايشها السوري على أرض بلاده، لكن هذا الطرح العاطفي يجيء ربما كرد فعل على رفض الموت بمعناه القسري، لا كقدر إلهي. فكل الذين رحلوا في الحكاية هم قتلى حروب ونفوذ وسلطة.
