تخوين ثقافي

عمر الشيخ
amrlood@gmail.com

هنالك مثل شعبي يقول: (من قلة الخيل شدوا على الكلاب سروج) وكلما حاولنا أن نصدق أن الخيول قادمة ازدادت ثقة الكلاب بقوتها وفهمها وقدرتها على التقدم، ولكن ماذا لو كانت المشكلة في الأرض الرملية التي تمشي عليها تلك الكائنات؟ هل سنتقدم حقاً؟ ربّما لعُدنا آلاف السنين إلى العصور الحجرية ونحن نتجادل معها في شأن معين، تدعي أنها تفهم في تفاصيله، وتثبت لنا التجربة دائماً أن للزواحف براعة تذكر في السقوط المستمر بالمصارف الصحية للكلام والتحذلق اليومي على صفحات الصحف، ولكن يسأل القارئ هنا: هل يمكن للزواحف والكلاب أن تفهم في برنامج (وورد) لأن زمن القلم الورقة قد ولّى؟ الجواب ببساطة: نعم..! لو عدنا للمثل الشعبي بداية حديثنا لتأكدتم بأنفسكم ما مدى تطور الحال لتدخل الزواحف والإشنيات أيضاً إلى حقل العمل الصحفي، هذا العالم المسكين الذي يتحمل السوائل اللزجة التي يفرزها الحلزون الجبان وهو يتوكأ على بضعة أكذوبات يستخدمها في التعامل اليومي مع الناس.. وحين يقع في خطأ فني أو تقني أو مقصود يشهر سلاح التخوين، بوصفه شماعة حديثة يعلق عليها أصحاب الكار حالياً كل تهمهم حين يختلف معهم أحد في الرأي أو الفكر أو النقد أو إلخ…
تتقد صحافتنا الميمونة ببعض تلك النماذج لكثرة ما تتحمل رؤوسهم التعمق في التراب، والخوف من النقد، وتزداد أيضاً سذاجة بعض الجُّهل في تصديق كل شيء، فالبعض لا يطمح لمعرفة الحقيقة خوفاً منها، والبعض الآخر يخاف على مصالحه من التدهور مع تلك الرؤوس، وغيرهم يعتبره مصدر رزق ودكانه أسبوعية تنشر له أي شيء يخربشه. برأيي لم تصل صفحاتنا الثقافية في بعض المنابر إلى الحضيض إلا بفضل هؤلاء، إضافة لعدم اكتراث أصحاب تلك المنابر بالشؤون الثقافية والفكرية المختلفة، التي يقوم عليها المجتمع المتجدد، بل يتركون للعقول المغلقة حق الفيتو في التدخل بأي شيء من مصلحته زعزعة الركود الثقافي السائد تحت محراب التراث والحفاظ على صبغة موحدة للمعنى وللشكل.
ذهنية الشخصنة لازالت تحكم أغلب الدوائر الثقافية في الإعلام السوري، كما التمست شخصياً، فلان لا ينشر عن كتاب فلان لأنه لا يحبه..! و(سين) لا ينشر أي مقال لـ(عين) ما لم يمجد إبداعه ويقدس منجزه الخرافي..! هي كذلك تماماً، العالم يتغيّر كل دقيقة، ويصدر كتاب كل يوم، وتولد أفكار كل لحظة، وصناع الصحافة الثقافية يشغلهم ثأرهم ويحاكمون منتقديهم من خلاله. الشتيمة ليست نقداً، والتخوين المجاني ليس فعلاً وطنياً، أي ود لم يفسد حتى الآن، إذا كانت العائلة الواحدة تنقسم في آرائها، وتبقى على احتدام مستمر..
لم يدرك أفراد المجتمع أنهم يعيدون تكريس الثقافة القبلية والبطريركية لتحل مشكلاتهم المدنية والعرقية والشخصية، معظمهم هجر العقل وعاد لفتح ملفات الانتقام والتفرد في الرأي رغم كل ما يحدث، مع الشهر المقبل ندخل النصف الثاني من العام الثاني للأزمة السورية المشتعلة في طول البلاد وعرضها، والمثقفون لا يلعبون أي دورٍ يذكر سوى تصفية الحسابات على صفحات الجرائد والاصطياد بالماء العكر على حساب قيم إنسانية يجب الحفاظ عليها في الوقت الراهن. أيّة ثقافة نصدرها للشارع أيها السادة ونحن في الركب الأخير من المشهد نرمي المواقف والأفكار المتأخرة التي عمّرت جهلنا إلى هذا اللحظة، بدل أن نتبارى في قراءة هذا المفكر وتحليله أو نقد تلك الكتابات ومقاربتها من الناس، ننشغل بشتم بعضنا علناً وفي السر، بدل أن نكتب الشعر والرواية والقصة والمسرح والسينما على اختلاف المستويات والمواهب، ننشغل باغتيال الآخرين وقتلهم على موقع «الفيسبوك» وفي المدونات الإلكترونية المجهولة..!
هل نفكر قليلاً بصرف تلك المهزلة من الذهنية الإدارية والتمتع برحابة الصدر وقبول الجميع على مختلف المستويات، طبعاً الجميع العقلاء، دون إشهار سلاح التخوين رداً على تنويهات الأخطاء المهنية التي ترتكب، والتي من الممكن إصلاحها ببساطة، ولكن ما لا يمكن إصلاحه هو المساس بالمفهوم الوطني للمثقف وتخوينه بالمجان فقط لأنه ليس نسخة كربونية عن البقية الصامتة، كلنا تحت سماء واحد ونتنفس ذات الهواء وأفرزت ثقافتنا مجتمعات مختلفة ضمن هذا البنيان الكبير من التنوع، لماذا كل هذا الحقد إذاً أيها (الزملاء)..؟

أضف تعليق