عمر الشيخ
amrlood@gmail.com
إذا افترضنا أن فرصة تأسيس معهد لتعليم الفنون السينمائية وورش العمل السينمائية قد أتيحت لجهة رسمية تبنيها وإطلاقها، وقبل ذلك يكون السؤال الأهم من هم الأشخاص الأكفياء الذين يستطيعون تلبية احتياجات هذا المشروع التدريسي والأكاديمي؟ وكيف سيختار أولئك الشرائح الاجتماعية الراغبة بتعلم فنون السينما؟ هل ستحلّ الواسطة والمحسوبيات ذلك؟ ونحن قبل أن نتخيل وجود معهد كهذا وحروب العصابات والشلل تسود المشهد الثقافي المترهل، فبعض المخرجين مثلاً الذين درسوا على حساب الدولة في الخارج جاؤوا إلى هنا واحتكروا هذه الخبرات وباتوا وحدهم في المشهد الفني السينمائي وأقفلوا أبواب المؤسسة الراعية لهم عليهم، ليتحفونا بأعمال أكل الزمن وشرب عليها بعد أن مرّ على ظهورها في الخارج عشرات السنوات..!
تقوم تجارة الألقاب بدورها في تكوين الأسس التعليمية التي قد يستعان بها لهذا المشروع وفق ما يتذوقه هذا الأكاديمي أو ذاك الخبر، فالمشكلة هنا تتكرر تماماً كما حدث ويحدث في المعهد العالي للفنون المسرحية الذي أصبح حلماً مستحيلاً لمن يطمح للتقدم من أجل الدراسة فيه، وتنحسر كل المقدرات التي تصدر لنا الثقافة البصرية والنقدية من ذاك المعهد فقط..! شخصياً لا أقلل من شأن المعهد وأهميته وثورته الفنية التي صنعها إلى جانب أجيال من خريجيه ودارسيه، لكني أمقت وبشدة الآلية الفكرية التي تقوم عليها هذه المؤسسة، وأخاف لو تحقق حلم معهد الدراسات العليا السينمائية في سورية أن يلفّ لفّه من يدعون أنفسهم (حيتان الفن والثقافة) برؤوس أموالهم وتدجينهم الثقافي المعلب الذي شاهدنا نماذج منه في التسطيح الفكري على صفحات الجرائد وبعض كتب اتحاد الكتاب العرب ووزارة الثقافة..
المسألة لا تتعلق بالتفاؤل أو اليأس هنالك ذهنية متخشبة لا تقبل النقد أو الانتقاد تدير أعمدة العمل الثقافي في البلاد، وكأنها حلقات حزبية يلقن فيها الفرد الثقافة تلقيناً، من هنا يمكننا الجزم بأن حالة التحريض الإبداعي ستكون معدومة بدقة، وتطلعات التجريب البصري في السينما مثلاً ستخضع لمكنات الرقيب الموظف الذي يخاف على سلامة ذهن المشاهد، وبالتالي سيقترح على مرؤوسيه أن يكون معهد التعليم السينمائي (الحلم.. الطموح) كما أزعم، هو مجرد نسخة كربونية عن آلية الإدارة المؤسساتية التي تعيش في مستنقع الاستقرار الاجتماعي في البحث عن أسئلة الحياة وأحلامهم وهمومهم وطموحاتهم وزواياهم السرية التي يلجؤون إليها بعيداً عن ثقافة التشابه المفروض سواءً في كتب تلك الهيئة أو في مطبوعة هذا الاتحاد أو على خريطة تلك المؤسسة..
معهد سينمائي.. لعله فكرة في ذهن آلاف السوريين المهتمين بهذا الشأن، لكن بوصلتهم ستدلهم فقط على بعض المشاريع الخجولة التي يسدّون بها رمقهم البصري كمشاريع تجريبية تفتقد للخصوصية وللحرارة السينمائية المذهلة، هذا السقف الواطئ أبسط ما يمكن إنجازه لصنع صرح تجريبي في السينما السورية، في حين يقف في الضفة المقابلة من هذا الحلم موظفي الرزق العام المهرولون وراء نهاية الدوام وما شابهها من غنائم، لن يشاهدوا شيئاً من هذه الأحلام، فستكفيهم ساعات الإجازة والحوافز على الراتب، في حين يرقدون على كنز مالي هائل يمكن له أن يصنع عشرات التجارب السينمائية والبصرية..
منذ أكثر من ثلاثين عاماً وهنالك مخرجون أو خمسة يتحكمون بتقييم سوق الإنتاج السينمائي السوري، فيما يخص الجانب الرسمي منه على الأقل، لا أدري ما مدى تطور عقول هؤلاء وأساليبهم في العمل السينمائي، علماً أن بعض أفلامهم التي قدمت منذ عامين لم تلاقِ متابعةً تذكر بل كان الازدراء هو الثناء الأبرز الذي رفعه المشاهدون لهم ومن بينهم بعض النقاد في الصحف العربية، لأن أعمالهم السينمائية (مقدسة..!) ولا يمكن نقدها في الصحف المحلية إلا بعد تغطيس المواد النقدية ببراميل من محاليل التعقيم الرقابية وإلى جانبها منومات الوخز التي تفند كل نقطة سلبية قد التقطت في هذا العمل أو ذاك..
لن أتفاءل إطلاقاً إذا كانت ترشيحات هؤلاء هي الحكم فيما يخص القائمين الذي سيكونون فوق رأس المشروع الثقافي الضخم، إلا إذا اعتبرنا أنهم، أي (المخرجون العاملون والمتطفلون…) هم المدرسة الوحيدة المصدرة لخلبيات السينما الضحلة التي جعلت صالات السينما في البلاد مزاراً دائماً للغبار ولتظاهرات السينمائية المخجلة..
