عن أمة الفيس بوك..!

عمر الشيخ

حسب آخر الإحصائيات وصل عدد مشتركي موقع التواصل الاجتماعي الشهير (فيس بوك) إلى أكثر من ثمانمئة مليون مشترك، من جنسيات مختلفة، يتزايدون بأسمائهم من كل أنحاء العالم، لعل النشاط الفعلي وصل إلى حوالي 40 بالمئة من كل المشتركين حسب دراسة أجريت مؤخراً، ولكن هل يدعو ذلك للقلق مثلاً؟
المسألة تتصعد نحو عزلة تامة يعيشها المرء مع العالم من خلال نوافذ الافتراض التي يبنيها مع من يعرفهم ومن يتعرف عليهم عبر وسائل الاتصال الحديثة وخصوصاً في موقع فيس بوك، الأمر الذي يكشف رغبة الأغلبية الساحقة من الناس بالتواصل عبر حواجز قائمة تؤخر حالة المعرفة أو التواصل الجدي والتقرب الإنساني، لا أجد ذلك سلبياً، إنما فرصة لمعرفة الآخر قليلاً، لكن ذلك لا ينجح دائماً، فأمة الفيس بوك تصنع وجهين وأحياناً عشرات الوجوه للناس، الأمر الذي يجعل من تحفة المواجهة والتعرف الجدي أمراً معوقاً وغير وارد، ونسأل هنا: هل هي خدعة الإنترنت والخيال بأن نكون كما نريد ونظهر عكس ذلك تماماً؟
إن حكاية الفيس بوك التي أمّنت للعاطلين عن الحياة فرصة لرمي كلماتهم أو حتى صورهم أمام جدران أصدقائهم تتسع وتكبر، ويرتفع رصيد تعقيدها إلى حدود التجارة العامة، كما يفعل صاحب الموقع (مارك زوكربرغ) الشاب المبرمج ورجل الأعمال الأميركي الذكي، فهو استغل وقته في جامعة هارفرد ليغيّر حياة العالم من خلال ردات فعل بسيطة لعواطفه تجاه التواصل مع الآخرين، لكن المشكلة ليست مع مارك شخصياً، فهو يقضي وقتاً محدوداً على الإنترنت، لانشغاله بملايينه التي تصنعها له أمة الفيس بوك من وقتها هذراً و(فشة خلق)!!
لن تمشي هذه الكائنات الافتراضية على أرض منزلك، ولن تصادفها في الشارع، كما رأيت صورها بالصدفة على صفحات الأصدقاء الذين قد تعرفهم، هم أمام شاشتهم أناس آخرون لا يعرفون أنفسهم بعد أن يسجلوا خروجاً من موقع التواصل الاجتماعي.. على أرض الواقع تزدهر محال الإنترنت ومقاهي الأركيلة، وتختفي المنتديات الثقافية ومركز الموسيقى والرسم والفنون والمكتبات، ربما قد تجد كل ذلك على شبكة التواصل الاجتماعي كافتراض مزعج وحسب!! وربما أصبح من المخجل ألا يكون لديك صفحة على (فيس بوك) وألا تنضم لصفحات أخرى تعجبك لترسم ملامح شخصيتك، هكذا هي، تجسس بطريقة أو أخرى على عالمك الخاص، من لا يمانع بذلك، لينتسب إلى أمة الفيس بوك الصامتة، التي أثقلت كاهل وقتنا بكثير من القلق والانتظار المستمر، بينما يقبع صاحب الموقع العملاق في بيته المترف في كاليفورنيا وتحت رصيد ثروة بمقدار 6.9 مليارات دولار أميركي، وهو مالك الموقع الذي قدرت قيمته بأكثر من 50 مليار دولار…. نعم أيها السادة ملايين.. ملايين لتعزيز الوحشة والتواصل الافتراضي وتمضية الوقت واصطياد الرحلات، ولكن هل هنالك وقت للإنتاج، ما الذي تنتجه أمة الفيس بوك على شاشتها الخرساء، ما الذي تصنعه الأسماء من تقدم حضاري للمجتمع..؟
بينما تعيش البلاد جرحاً كبيرة، يغرق مئات الآلاف من الناس بنشر غسيلهم الوسخ والنظيف على الفيس بوك من أجل ماذا؟ لا أحد يعرف؟ من أجل أن ننال (أعجبني) هناك، أو نتمسك بـ(تعليق) هنا!! هلا توقفنا قليلاً عند الوقت الكبير الذي يقضيه مع الإنترنت المسلي، التواصلي، وبحثنا عن الإنترنت الذي يضيف لنا ما لا نعرفه عن الحياة والإنسان والمجتمعات الأخرى؟
أعرف أنني أمتلك صفحة على فيس بوك، وربما أقضي وقتاً طويلاً فيها، بين محادثات، وبين عبارات رمزية أكتبها من خلالها، لكني مثلكم أبحث عن حلّ جدي لترتيب هذه (السوسة) ضمن المعقول من الوقت، يا أمة الفيس بوك المنوعة بكل أطيافها العلمية والسياسية والمعرفية الهامشية الثقافية والفكرية، هل يسمعني أحد..؟ أتمنى ألا تضعوا (أعجبني) أو (تعليق) أريد أن أراكم لنتحدث..

أضف تعليق