التواصل الذي فقد لغته..!

عمر الشيخ

أصدقاء اخترقت صفحاتهم على الفيس بوك، وزملاء أوقفوا تواصلهم الافتراضي بالمطلق، عابرون صاروا يبحثون عن أصدقائهم على موقع التوصيل الأكثر هدوءاً (تويتر).. ولكن كل ذلك لم يعد يجدي نفعاً، مع تصاعد الوحشة، والفراغ الاجتماعي الذي ظهر طيلة العام الماضي وامتد إلى الآن كاشفاً لنا عن بنية هشة بين أفراد المجتمع الذين يختلفون في وجهات نظرهم وآرائهم حتى على مستوى الطبخ وطالع الحظ، لم يعد أحد قادراً على احتمال هذا الآخر الشريك في الحياة أو الزميل في العمل أو الصديق في المجتمع، باتت كل النظريات التي قيلت عن الصداقة والتفاهم هي محض كذبة كبيرة عاشت ضمنها العقول لعقود معدومة الفائدة في تكوين خميرة حقيقية يمكن لها التصدي لأي غزو فكري أو بصري أو حتى سياسي، والآن تثبت مواقع التواصل الاجتماعي لنا أنها المجهر المنطقي والملامس لأغلب الناس، والذي يمكن له أن يورط من يشاء بتأويلات وأفكار قد تؤذيه فيما بعد، ببساطة كُشف ملعوب فرز الناس حسب توجهها عبر المدونات والتعليقات، الأمر الذي يجعلنا نتريث لنشاهد من أين أتت كل تلك الأدوات لتصنع لنا (الفرز الاجتماعي والفكري والثقافي- التواصل الافتراضي- الرفض- مواجهة المخاطر في سبيل فكرة) وغيرها من العناوين العريضة القادمة من بؤرة الافتراض المجتمعي، حيث للكلمة دور وللصورة تأثير قبل الإيمان بالمعتقد والفكرة.
ها هي الثقافة الاستهلاكية تعود إلينا من جديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت وأبرزها فيس بوك، أرجو ألا يفهم قصدي على أني ضد هذا التواصل، لكني ضد فقدانه للإنسانية، أصبح الكائن هناك مجرد (بوست) حالة كتابية، مجرد تعبير صريح لصورة تعجبه، وصار رصد التحرك العشوائي والخاص لكل مستخدم همّ كثير من المزعجين الذين جعلوا من الشبكة الاجتماعية نافذة لعقدهم وأمراضهم وشخصياتهم الضعيفة، هذا بالتحديد ما جعل إمكانية ظهور مواهب التفسخ الإنساني بين أقطاب الناس هي الصورة التي احتلت المرتبة الأولى لأهداف أكثر من جهة معينة غايتها متابعة هذا المثقف أو ذاك الفنان أو تلك المصورة أو أي شخص ما، الأمر الذي أفقد التواصل الاجتماعي لغته الأهم وهي العفوية الصادقة، ليحلّ محلّها التحايل والكذب والمراوغات وابتداع البروبغندات والشطحات الإلكترونية للشباب السوري على وجه التحديد، في الداخل وفي الخارج، التوتّر سيّد المشاهد والمهاترات، وتوزيع شهادات حسن السلوك الفكري والاجتماعي أصبحت من مهمّة مدمني الإنترنت والعزلة الاجتماعية التي لا تتوقف عن تخدير صفات الإنسان في تلك الكائنات، ببساطة انهار جزء من إنسانية الإنسان، وحلقة سامية من الإحساس بالآخر، وبات بالإمكان وضع أي كلمة مهما كانت كبيرة للتعبير عن ثقل التعاطف على سبيل المثال مع قضية لبعض الناس، وهذا تماماً هو حجر الأساس الذي قامت عليه العزلة عبر الكلمات وبعض الأصوات وأحياناً (الويب كام) ليفقد الإنسان مكانته وأهميته في زحام الإنترنت الاجتماعي ومواقع التواصل التي أُسيء استخدامها كثيراً عندنا..
التقدم التكنولوجي لا يعفي الناس من إصابتهم بداء هبوط مستوى الأحاديث والتعاطي الإنساني والظهور تحت الشمس دون عمليات تجميل روحية أو نفسية كي يتحمل بعضنا الآخر، كأننا نرثي المقاهي والجلسات المستمر لرؤية الأحبة والأصدقاء، كأننا نساوم على ثقافتنا الحياتية مقابل هذا الدفق الهائل من العوالم الافتراضية، هكذا إذاً تسحب منا التقنيات قوتنا الروحية وتضع مكانها الدلالات الرمزية التي تفتقد لأي صفة حميمة ومبررين سوء الأحوال والأوضاع والطرق كي لا نصل إلى وجوه بعضنا إلا عبر صفحة وجه الكتاب أو فيس بوك المعجزة التي أتقنت ضعفنا الاجتماعي وأقامت في جراحنا الباطنة إلى أجل غير مسمى..!

أضف تعليق