صوت مبحوح.. نهرعيشة

عمر الشيخ

أنا «الكازية» الوحيدة التي لن ترفع تسعيرة وقودها للعابرين، أنا زاوية الحارة التي احتكت فيها حوادث الدراجات الهوائية (الكورس) بمقودها الملتوي وخفتها الحزينة، أنا الجدران التي رسم عليها أولاد الجيران مرماهم الكروي الأول قبل أن يهجروا إلى الضيعة أو إلى الخوف، لا شيء في هوائنا إلا أنت أيها التلفزيون!!
مريرة هي جلسة أبي بعنفوانه وانكساره وتصديقه لكل شيء، في عباءته الموحشة، يستلقي على أنغام شيخوخته ونحن نعول على رحيلنا إلى الصقيع، لم تدرك كابلات البث الفضائي كم من الحزن والانهيار يمكن أن ترسل لعيوننا الضعيفة..
ماذا يمكن أن تقول للرخام في مقبرة القدم عما تسمعه المدينة كل يوم من انتحار للطلقات؟ أمٌّ مشغولة براحتها وسكينة أنينها؟ وأخوة لا يعرفون بعضهم إلا بالصور أو بالأصوات أو ربما بالمنامات؟ كيف ستستقبل كل هذا الموت في قلبك الصغير كقلب النملة؟ لمن سوف تعطي هذا الوجع الأزرق المغطس بالكحول والبرد والقابع على تحجر شفتيك؟
تسألني بيوت «كشاشين» الحمام وعربات بائعي الغاز، وبائعي العلكة على الإشارات، تسألني المرأة المهذبة بفضيحة فقرها على رصيف شارع العابد، تسألني صديقتي البعيدة في الدول الاسكندنافية، تسألني الأكفان الجاهزة لثوار المدن المكبوتة، تسألني قطاعة الحديد اليتيمة التي باتت تقطع الأصابع لتوفرها بكثرة!!
تسألني صور هراوة الخوف في نهاية كل أسبوع.. تسألني ضلوعي وتتمدد تحت جنازير المدرعات النبيلة.. يسألني أبي قبل أن يبكي ويذوب في سنواته السبعين نائماً من كثر القهر..
هنا لم تتعلم الأرصفة المجروحة والجدران الملوثة بنصوص الصراخ أن تتكلم، كانت تعرف جيداً أنها تصيب هدفها بعناية وقوة، وكنت أعرف من خلال حطامها أني زاوية حادة لكل ظلم يمس هوائي وشارعي وأغنيتي..
أنا الإطارات المكللة بالنار والغضب والوحدة، أتدحرج في سعير المسدسات نحو حتفي، أفرد جناحي رغم قيد الرعب وأتلمس أسوار الجنة لتنحني لي الشمس قليلاً..
لا ينطلق أذان الفجر قبل أن يتوضأ بمواويلي، ولا ترقص غربان الحارات على الأوجاع إلا وتكسر دمعي مع المطر لتشرب بصحة الشهداء..
أنا الصوت المبحوح للمرأة الهاربة من أمها دمشق، داست قلبي لعنة الاغتصاب، وظلت قصصي في الصفحات العابرة لحقوق الموتى، رفضت كفني وقاتلي ومضيت، أنا مشروع قتيل يمشي في حس الهواء ولا يستثير الرب شفقة وغفران..
من يسحب حنجرتي النازفة دون أن يفك رقبتي؟ أي مشهد لرأس تدلى في تلك الأفلام، هو صورة شعاعية لآلام المسيح المسجى في حارتي، أنا الشوارع اليتيمة من الأضواء والمطر، أنا السعال الطويل للأقبية والرطوبة..
موت مغفل أدرك قلوب الأبرياء وأسرّة نومهم الكئيبة، ومُخرج الجريمة يصفق من الكرسي الأخير للمسرح المرعب وهو يقول (برافو).. (برافو) مشهد من لعبة كرة موت يتقاذفها الأطفال من فوق سطوح منازلهم كأنها رسائل الحمام الزاجل أو صفارة نوم السهر الطويل لصاحبة الجلال المرقعة، صاحبة العقد العشوائي المزركش بالدموع.. «نهر عيشة.. نهر عيشة..».
بيوت للموت المؤجل، وشاخصات مرور للسموم الجاهزة، أوكار للمساكين البسطاء، وثقب ضيق للمعجزة والاستمرار، صفحة في مدرج الأغنية، ومفتاح موسيقي لآلاف المراهقين الذي يحلمون بالحدائق والزهور والرسائل الغرامية واللعب بالماء والتراب، قبل أن تحولهم الكهرباء المقطوعة إلى منديل معتم من الزكام وأوجاع العظام..
أنا الأصابع التي تعزف على القصبة الحزينة ولا تجد مصغياً لصوتها الأخير، سوى الصقيع الطويل للمدينة الجريحة، يمرون تحت شعلة الكحول وهم يدندنون للأمنيات، للفجر القريب، وأنا في خوفي عليهم أحيطهم بأنفاس اللـه وأمضي إلى عيونهم.. أنا الصوت المبحوح للذكريات وغرف الصفيح الكريمة..

أضف تعليق