الشاعر السوري عمر الشيخ: قصيدة النثر تمثلني … ومن نقدني شتمني

سورية – زياد ميمان
وكالة أنباء الشعر العربي
————————————
هو شاعر رسمت كلماته بجهد وتعب، من حبه للشعر أحب الصحافة والكتابة فقلمه ناقد شاعر لكن النقد لم ينصفه، يكتب في كل الأوقات لا يعرف الإبداع عنده لحظة معينة، إنه الشاعر السوري الشاب عمر الشيخ الذي كان لنا معه هذا الحوار ..

– متى بدأت الكتابة؟
سؤال عصي قليلاً على التذكر، لأن التأهب للكتابة هو انتظار أيضاً، لعل القراءة أولاً هي من حرضني على الكتابة، البحث عن دور خاص بي ألعبه في هذه الحياة أيضاً فتح أمامي بوابة لأن أكون ما أريد، تعلمت المهن الإلكترونية ودرستها حتى مراحل متوسطة، ولكني لم أجد منفذاً لروحي من خلالها، منذ كان عمر 13 سنة ولعبة الكتابة تراودني بقيت أنتظر حتى تجاوزت المرحلة الثانوية لأبدأ بالكتابة بشكل جدي أي في التاسعة عشرة من عمري. دائماً كنت أشعر بحاجة شديدة لأن أتلمس روحي، في محاكاة المحيط الاجتماعي للذات، كان ثمة عزلة مفاجأة تصيب المراهق ذا الثلاثة عشر عاماً.. لم يكن أمامه من خيار سوى أن يقول روحه، ولكن هل هو بحاجة لأن يصوغ هذا القول؟ كنت أنا ذاك المراهق، فبدأت البحث عن ما يخصني، كيف السبيل لتناول هذه الطاقة الكامنة بشكل كامل؟ قرأت لأشحن مخيلتي، قرأت عمر بن أبي ربيعة ونزار قباني وعمر الخيام وريلكه ورامبو هكذا بدأت أكتشف كتابي الخاصين بعيداً عن الأسماء الرائجة في المكتبات، بدأت أجد في العاصمة دمشق أوكاراً جميلة لاصطياد الكتب التي لم يكتشفها أحد بعد، وبالتالي بالبحث عن اللغة التي تحاول أن تكشفني، لم أمتلك قدرة على قول المطولات، فكانت الصورة تلاحقني أينما أكون، في حصص الفيزياء ودروس الرسم الصناعي في الثانوية، في مخابر الفيديو أيام المعهد الصناعي وفي دروبي الصغيرة التي أسيرها وحدي في غرفتي وفي الأمكنة التي رتقت ذاكرتي بالجمال والمرح، حيث أحمض أفلامي الخاصة و أمنتج ما استطعت من مخيلتي لأتواصل مع الكون عبر جواز سفري الجديد الذي منحتني إياه روحي وهو الشعر.. لم أكتشف أني أستطيع صياغة التفاصيل بلغة شعرية حرة إلا بعد طباعة (سمّ بارد) كانت التجربة جدية للغاية، حاولت أن أنتمي لذاتي أن أشبه عبثي ولعبي وصوري الشخصية.

– بما أنك تمارس مهنة الإعلام وأنت شاعر فهل تجد هناك انفصالاً بينهما أم أنك أحيانا تستخدم في كتابتك الإعلامية عبارات أدبية ؟
كثيراً ما أشكر الشعر لأنه أوصلنا إلى مهنة معينة، كنت أظن المستقبل سيكون بالنسبة لي قراءة وشعراً في فقر مقيت، ولكن الشعر أعطاني مفاتيح قراءة الأشياء، أي استطعت أن أشحذ أدواتي في الكتابة الصحفية من قاموس الشعر العظيم الذي يزداد مع القراءة والتواصل المهني مع الوسط الصحفي والأدب في بلدي، لا أجد أي تعارض بين الشعر والإعلام، فمن لقطات العمل الصحفي أجد نصي الشعري أحياناً، الشعر هو الحاضن اللغوي لمعظم ما أكتب، وقد أستعين أحياناً بنهج أكاديمي للعمل النقدي في حين كنت أتحدث عن فيلم أو مسرح أو كتاب، أستخدم شعريتي الخاصة كثيراً في القراءة التشكيلية وصياغة التحقيقات الاجتماعية، قاموسي الأدبي لا يتوقف عند تراكيب معينة طالما أن القراءة متواصلة لا مشكلة لدي مع النص الشعري أثناء الصحافة المكتوبة أو حتى المرئية.

– هناك من يصف قصيدة النثر أنها سبب أزمة الشعر فما رأيك بهذا الكلام ؟
لا أجد ذلك واقعياً، ليتحدث من يريد كما يشاء، التنظير للقصيدة الجديدة حرية مطلقة للشعراء، قد يجدونها خارج سياق الشعر وليس أزمة وحسب..! المشكلة أن هذا النص الشعري المسمّى (قصيدة النثر) ما هو إلا نتاج طبيعي لحالة التراكم المعرفية التي وصلت إليها الأجيال، فالنثر يواكب بقوة اللقطة المختلفة والعصرية، بينما تغرق قصيدة التفعيلة بسقف مقيت من الإيقاع والأغاني، أنا أرى الشعر لقطة، صورة، شريط سينمائي، أحياناً مجاز، وربما موسيقا في قليله ما يعجبني، قصيدة النثر تمثلني، وتشبهني، وتشبه جيلي، لكن ذلك لا يعني إهمال الإرث الشعري القديم أي الموزون وما شبهه، يجب المرور عليه وهضم ما تيسر منه حتى يستطيع الشاعر أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون، المسألة متعلقة بتطور اللغة، في الماضي كان للبلاغة مكانة وقوة، أما الآن كيف سأكون بليغاً (ثقيلاً) في زمن الفيس بوك والإنترنت والموبايل وعصر الجينز والوجبات الجاهزة والأقمار الصناعية؟؟ مواكب المحيط الاجتماعي حامل إنساني للشعر، ولا أجد إمكانية تكوين ذلك إلا في قصيدة النثر.

– بعد أن قدمت مجموعتين شعريتين هل قام النقد بدراستهما أم أن الموضوع اقتصر على مجاملات ؟
في الحقيقة هنالك دراستان أو أكثر تناولت ما كتبت في الشعر من خلال تحقيقات حول الكتابة الجديدة للشعر، بينما تفردت أكثر من مقالة صحفية في قراءة المجموعتين كل على حدة بشكل معقول، لم أجد ناقداً قاسياً، بينما وجدت ناقداً شاتماً وهذا لا أعتبره نقداً، لكن بالمحصلة كله يفيدني، تهمني آراء أصدقائي وأعدائي وقرائي، الجميع يهمونني، والنقد عليه أن يقرأ ما الجديد والفني والجمالي المختلف في النص، أو أن يفكك ما يمكن له تفكيكه بيانياً ومقارنته، لم أجد ما كتب حول مجموعتي الشعريتين كما أشتهي، كانت قراءات لطيفة وشعرية كمحاكاة لما أكتب لا أكثر ولا أقل…

– الحراك الشبابي الإبداعي ماذا يشكل هذا الحراك في مسيرة الأدب في سورية ؟
يشكل نسبة خجولة للغاية، هنالك حرص على إظهار الأناس (المدعومين) في كل مجالات الإبداع، نادراً ما يظهر اسم ما من خلال نتاجه، الأضواء في سورية هي التي تصنع الإبداع، ليس الإبداع نفسه، الشباب الشعراء مثلاً لا يجدون ملاذاً حاضناً لهم خارج نطاق المؤسسة الرسمية إلا (بالواسطة) هنالك بعض الصفحات الأسبوعية التي تكتشف بعض الأسماء الجيدة وهذا لا يكفي.. الشحّ في التواصل مع الأدب الشاب سببه الرئيسي هو عقم الدور الإداري في الهيكل الثقافي الرسمي أو الأهلي حتى، الدعم يوزع بالشخصنة في معظمه وهذا يولد رغبة لدى معظم الشعراء الشباب بالتوجه للمشاركة بجوائز عربية وغيرها لكي يجدوا دعماً حقيقياً ومنصفاً بحق ما يكتبون..

– نلاحظ ظهوراً كبيراً لشعراء شباب من كلا الجنسين علام يعتمد هذا الظهور وهل للعلاقات الشخصية دور في ذلك ؟وما هو دور النقد في ذلك ؟
أحياناً تلعب العلاقات الشخصية دوراً في ذلك، لكن لا أستطيع التعميم هنالك أسماء سورية من الشعراء الشباب من كلا الجنسين ظهرت بمجهودها، ونتاجها الأدبي هو الذي قدمها لكنها محاربة، لأن تكريس ثقافة التدجين ضمن المؤسسات الراعية لتلك المسائل مشغولة بتلميع صورتها أمام مرؤوسيها فقط، أي هي لا تعتبر اكتشاف الموهبة الجديدة هماً يقع على عاتقها، قد تنفع قريباً من هنا، أحداً تعرفه من هناك، لكنها مشغول بدعم الحيتان المسئولين عنهم فقط!!

أما بالنسبة للنقد، فهو قليل للغاية ولا يتناسب مع كميات الركام الورقي الذي تنتجه دور النشر سنوياً، لا يوجد مواكبة فعلية، هنالك بعض الأسماء اللامعة ربما يكتب عنها بشكل جدي، بينما يكتب الأصدقاء عن مجموعات بعضهم البعض كخدمة إعلانية وأحياناً كنقد موضوعي، وذلك أضف الإيمان ليستمر الشعر والنقد معاً..

– الشعر حالة خاصة متى يكتب عمر الشيخ وهل هناك وقت محدد للكتابة ؟
لحظة النص الشعري لا يمكن أن تلتقط ببوصلة، مرة على جدار الفيس بوك أرتجل شيئاً فيصبح قصيدة، ومرة على نوافذ المسنجر ألتقط مقطعاً ليكون فاتحة قصيدة أخرى، أحيانا تراودي منذ ساعات الصباح رغبة بالركض في الشوارع رغم كل هذه الضغوطات النفسية التي تعيشها مدينتي دمشق، لأكتب بعض أن أذوب من التعب.. أحياناً أخرى أكون في مهب زاويتي لأكتبها بشكل دوري للجريدة فتصبح الزاوية قصيدة..هكذا هي القصيدة مباغتة لا توقيت لها وتحب أن تطاردني في كل مكان، العالم مليء بالشعر لكننا لا نلتقط سوى القليل منه، ويبقى الأجمل والأميز متخفياً وراكضاً كمطلوب بتهمة الجنايات السحرية..!

– كيف ترى دعم المؤسسات الثقافية للأدباء الشباب ؟
لا يوجد دعم، أو بالأحرى لم أسمع به، ولكن هنالك بعض الشعراء المكرسين يعتنون بالشعراء الجدد، وربما يدفعون بهم لمؤسسة رسمية بغية دعمه، في سوريا ما لم يرشح الكبار الجدد لا يمكن أن يجدوا درباً للضوء، المؤسسة الرسمية تغط في نوم عميق، إن كنت تقصد اتحاد الكتاب العرب فهم مشغولون بالعجائز والغبار، أما وزارة الثقافية فهي تفتقد للكفاءات النوعية التي يمكن أن تلتقط الحساسيات الشعرية الجديدة، هنالك كما قلت لك بعض الصفحات التي تهتم بأدب الشباب كما في جريدة تشرين الرسمية التي خرج منها أسماء مهمة أتفاءل بها جداً من الشعراء الشباب والجدد..

– أرى الكثير من الشعراء خارج اتحاد الكتاب العرب ألا تفكرون في أن تنظموا جمعية أو رابطة تضم الأدباء الشباب ؟
شخصياً أحبذ ذلك خارج نطاق المؤسسة الرسمية، وذلك يحتاج لرعاية، وذلك كان ممكناً بمشروع بيت القصيد الذي استمر منذ عام 2007 حتى الآن، قبل أحداث آذار الماضي توقف لأسباب مجهولة، هنالك رغبة شديدة في البحث عن سورية جديدة ومختلفة لإقامة مثل هكذا مشاريع، وأسمع أصداء هنا وهنالك عن رغبات لكثير من الشباب بإقامة مثل هكذا منتدى أو رابطة براعية ذاتية ودعم محلي وشخصي، لتضم الأدباء الشباب والجدد أيضاً الذين ولودوا أدبياً في العقدين الأخيرين الماضيين.

– برأيك ما هو المطلوب من الشعر الآن ؟
شخصياً أكتب نصي الذي انقلب كلياً عما كان قبل الأحداث أي قبل عام تقريباً، الأمر اختلف كثيراً وهنالك روح جديدة تنتفض في الشعر والأدب والفن وهي بحاجة لمساحات وحريات كبرى لتظهر بكامل قوتها واختلافها، هنالك وثائق وصور وقصائد ويوميات واقعية كتبت من أرض الحدث، وأخرى كتبت على وقع الأخبار.. المطلوب من الشعر الآن ألا يقلع عنه رداء الجرأة والركض تحت النار للوصول إلى الإنسان، أن ينطلق من إنسانية هذا الإنسان من جرحه من فرحه من يومياته من أحلامه من أوجاعه من صمته من انفجاره، أن يكون النبوءة والحلم واللقطة الذكية والورقة العابرة بقوة فلاش الكاميرا وحدته وتميزه الفني..

والشاعر عمر الشيخ يعمل صحفياً ومعداً لبرامج ثقافية وصدرت له مجموعتان هما سم بارد ومتى أصبح خبرا عاجلاً

أضف تعليق