“انفصال نادر وسيمين” لأصغر فرهادي: يفضح تعقيدات المجتمع الإيراني

دمشق – عمر الشيخ
جريدة النهار
الثلاثاء 31-1-2012
عدد 24635

تحضر قوة الفكرة وجرأة توقيتها بالتوازي مع تفاصيل يومية لا يمكن أي شخص التقيد بها ما لم يكن من المواطنين الإيرانيين. هذا ما رأيناه في فيلم “انفصال نادر وسيمين”، للإيراني أصغر فرهادي الحائز جائزة “الدب الذهبي” في مهرجان برلين السينمائي الدولي.

تفاصيل يومية وحساسة في حياة أسرة مكوّنة من أب وأم ومراهقة وجد، تعيش ضمن ظروف المجتمع الإيراني، وتعاني التضييق الديني. بين الأب والأم تنال المشكلات نصيبها من الوقت إلى درجة عدم الاكتراث بمصير المراهقة، فيختار كل منهما طريقه بالانفصال وليس الطلاق!
ينطلق الشريط الذي عرض في تظاهرة “مهرجان المهرجانات” في دمشق من جلسة في المحكمة بين نادر وسيمين، يناقشان مبررات الطلاق الذي لم يتم. تعود سيمين إلى أهلها ويعود نادر إلى والده المصاب بالزهايمر وابنته تلميذة المدرسة، فيستقدم امرأة لتعمل في البيت وتراقب الوالد أثناء غيابه في العمل.
يتجه الفيلم نحو منعطفه الدرامي لحظة دخول الأب إلى المنزل في وقت لا يجد فيه المرأة المسؤولة عن رعاية والده المريض. هنا تبدأ الإشكالية في أن المرأة الحامل التي تعمل في المنزل تضطر لترك الجد المريض فترة زمنية تربطه خلالها بالسرير، إلا أنه يقع ويبدأ بالاحتضار. يصدم الرجل برؤية والده على الأرض، ويتزامن ذلك مع دخول العاملة المسؤولة عنه إلى المنزل لتوها. يغضب الرجل ويطرد العاملة من المنزل، التي تدّعي عليه بأنه ضربها وأجهضها فتدور جريمة قتل الجنين بين أخذ ورد ويصبح نادر مهدداً بالسجن.
يضعنا الفيلم أمام مكاشفة أخلاقية غاية في الصدقية بين الأب نادر وابنته التي تكتشف أنه كذب على المحقق بقوله إنه لا يعرف بقصة حمل العاملة.
الكذبة تربك تفاصيل حياته لكنه لا يستطيع التراجع عنها إلا أن كل دلائله الشخصية تقوده إلى أنه ليس هو المتسبب بالإجهاض، وهذا ما يتبين بشكل حقيقي في ما بعد عندما يطلب نادر من العاملة قبل أن يدفع لها الدية أن تقسم امام ابنته على القرآن الكريم بأنه سبب الإجهاض.
للوهلة الأولى تبدو قصة الفيلم بسيطة وذكية، لكن تطرقها الى الحال الإنسانية والصراع مع الصدق تجعل الهوة تزداد اتساعاً، إذ إن الطفلة التي تراقب كل شيء، تصدم والدها بأن تسأله لماذا لا يقول الحقيقة، فيخبرها أن مصيره السجن إن فعل ذلك، وبالتالي لن يبقى من معيل لها ولجدها المصاب بالزهايمر. الأم سيمين في جهة أخرى تحاول أن تقنع زوج العاملة بالمال ليسد ديونه ويحسّن وضع أسرته شرط أن يسقط الدعوى ضد زوجها نادر. يقبل زوج العاملة بالحل، لكن العاملة ترفض ذلك لأنه تتذكر أنها تعرضت لحادث سيارة وهي تحاول اللحاق بالجد الذي نزل الى الشارع كي يشتري جريدة، وهذا الأمر حدث قبل يوم من ذهابها الى الطبيب الذي جعلها تغيب عن رعاية الجد فحدث لها ما حدث من طرد واهانة واتهام بالسرقة.
ما يستفز العاملة، صورتها أمام ابنتها. فهي ليست مستهترة، ولم تسرق كما ادّعى الأب نادر، لكنه أرادت منه أن يعتذر فقط حين قررت وزوجها الادعاء عليه بسبب دفعها من أمام البيت في لحظة غضب.
النص هو الحامل الفني الأهم في الفيلم، بالإضافة إلى قدرة المخرج على إدارة شخصياته بخفة وتمكن، الأمر الذي ترك انطباعاً استثنائياً حول أهمية النص الدرامي السينمائي الذي يقترب من الناس وهمهم الحقيقي. السيناريو المكتمل إذاً، هو الذي لعب البطولة الأساسية في الفيلم، حيث تتكشف جملة من تناقضات الحياة اليومية التي تجبر الإنسان على تجاوز بعض القيم الأخلاقية مقابل الحفاظ على القيم الكبرى.
البناء المحكم للنص يجعل كل ما في الفيلم أداة يمكن استخدامها، فهو ينسج ببراعة خيوط الجريمة ويفكها بصورة مبررة وواضحة في السرد العام للفيلم الروائي الطويل الذي استطاع شد جمهور الصالة إليه حتى بعد انتهائه، حيث أبقى الخيار مفتوحاً أمام الإبنة هل تختار الحياة مع أمها أم والدها.

أضف تعليق