دمشق – عمر الشيخ
جريدة النهار اللبنانية
الثلاثاء 7شباط-2012
العدد24641
————————————–
نجد في مجموعة الشاعر السوري زيد قطريب (1968) الأولى “باركنسون” الصادرة حديثاً لدى “دار التكوين” الدمشقية (2012)، أن سردية التفاصيل تختلط مع بناء بصري لمجازات وتشابيه تقوم في منطقة الاشتغال على شكل خاص للهوية الانفعالية لرجل تجاوز الأربعين وبقي يحلم بالشعر في أشكاله ومدارسه وشعرائه وضحاياه.يذهب قطريب في اتجاه النص المفتوح على تلاحق الصور، متجاوزاً مسألة الإيقاع الموسيقي للغة والتناغم المتعالي للمفردات، ترتكز فكرة معظم نصوصه على حواريات بشكل رسائل يكتبها الى ذاته وأصدقائه وأهله، مفتشاً باستمرار عن العبارة الصادمة والمجاز الذكي، لاجئاً الى خيط حسي على طول قصيدته، لكأنها شريط قصير لذكرى لا تتوقف عن الحضور أو عتاب مغلف بالتعب أو ربما فاتورة قاسية لقبضة الشعر على حياته.
تتناوب مفارقات الصورة حتى تقترب من بعضها بالأسلوب واللغة، وتفترق أجواء الإيقاع الجمالي للعبارة الشعرية عند التنقل من مقطع الى آخر ضمن القصيدة الواحدة، حيث نتواصل مع المعنى الفني للقصيدة من أجزاء مختلفة ومكثفة: “لأجلك سوف أذوب في اليوم/ عشرات المرات،/ فاحتويني منذ اللحظة بكؤوسكِ،/ سوف نشرب بعضنا بنهمٍ/ قبل أن يقتلنا الظمأ!”. تتصاعد الصورة في تشبيه الحلم بمئات الصور وجعله كائناً حيّاً نورانياً مندفعاً خائفاً ممزقاً وحيداً يعيش تفاصيلنا وحطامنا كما نعيش كل يوم في دوامة تسمّى الأمل. تمتد محاولة الشاعر على مساحات وصفية لموضوعة الحلم، فنراه يكبر ويشاكس ويتنفس الصعداء، وأحياناً يتمنى أن يصبح أمراً واقعاً كي يشعر بالسعادة. إلباس الشعور الحسي ثياب البشر أو المحيط المادي، تفتح في النص باباً موارباً لرجفة الباركنسون، حيث تطوقنا القصيدة في تلقائيتها، وتقطعنا صداقة الأشياء بصمتها وقسوتها وثقلها المفضوح في مهب الكلمات: “الحلم رفيق مصاب بالضجر/ يقلب على ظهره من الضحك أحياناً/ ومرات يشعر أن الدنيا/ ضيقة مثل خرم الإبرة/ للحلم رائحة وعيون وأصابع نحيلة/ تلوح إذا ما شعرنا بالغربة والحزن/ ولأجل أن يمعن في الوفاء أكثر/ فإن الحلم يمتلك حلماً هو الآخر/ يكتبه في دفتر مذكراته/ أو يتصل معه على رقم الموبايل”.
يتعامل قطريب مع القصيدة كأنها لوحة زيتية هاربة من الملونات النثرية المفرطة بالتكلف، فلا يستند في بنائها التكنيكي على تقاطيع شكلية معينة، ولا يلتزم مخيلة منتمية لبلاغة القواميس وأحجية التعقيد.
يستمد مفرداته من قاموسه الصحافي الذي يعتمد على التهكم أحياناً والأسى الساخر أحياناً أخرى. يحاول قطريب بعد عشرين عاماً من التجريب أن يجد له منطقة خاصة في قصيدة النثر السورية الجديدة، وفي “باركنسون” يستقي من يومياته في العمل والطريق، حيث المكان مادة أولية لالتقاط النص: “تشبهك كثيراً تلك الوردة البنفسجية/ المائلة إلى الاصفرار/ ولا يشبهني شيء سوى إشارة المرور/ عند تقاطع مشفى المجتهد!”، و”لماذا لا يتحول مشروع دمر/ إلى بحيرة من النبيذ المز”، و”أزرع لأجلك/ مخيم فلسطين بأزهار الغاردينيا”. المكان إذاً هو بوصلة المخيلة.
فمشروع دمر الراقي العملاق الذي يقع قرب جبل قاسيون في وادٍ فاخر، يغرقه الشاعر بالنبيذ من أجل حبيبته، بينما يختار من مخيم فلسطين قرب دمشق مساحة كبرى لتكون حقلاً من الغاردينيا برغم أحزان اللاجئين المريرة. في الأمكنة تتنقل القصيدة من الصورة إلى جغرافيا الجسد للعودة قليلاً الى الوراء، حيث ضوء صغير يشير إلى أن القلب سيتحسن لو أرسل الشاعر الى حبيبته صيدليات العالم بالبريد الإلكتروني.
لغة “باركنسون”، على عكس معنى الديوان الذي يدل على يوميات راجفة متوترة خائفة، مشغولة بخوف المرة الأولى، كأن القصيدة تمارس لياقتها الشعرية تحت وطأة الخيال المستمر الذي يحرض به الشاعر متلقيه منذ اللحظة الأولى للقراءة: “سأكتب عن أفخاذ النساء الغريبات/ والمؤخرات التي تشبه الهضاب/ عن القبلة الشهية تحت المطر/ والمتوسطات ذات الأعضاء النافرة/ مثل حبات الكستناء/ سنتناول الغداء في الشينو/ ونشرب العرق المتصبب/ من الأثداء العامرة ثم نزرع راياتنا فوق النهود كأننا الجنود العائدون للتو/ هذا العالم يمطرني بالعيون الزرق/ فأجهش خلف أزرار الكيبورد/ أبحث عبثاً عن كبسة الـOk”.
لا تخلو المجموعة من تشابهات الصور وطريقة تركيبها، الأمر الذي يدل على أن الشاعر جمع تلك القصائد في لحظة “زهايمر” لا يعرف متى كتبت ولمن، ولا يريد أن يقف طويلاً عندها حتى لا يعود مرض الباركنسون الشعري المزلزل في أعماقه إلى صفحات الكتاب. لقد دوّنه ومضى، ولعله الآن يدندن في بيته في حي كفرسوسة العشوائي كل مساء عبر نوافذ المحادثة الإلكترونية: “أكره الطائفية كثيراً/ وأحب أكل البوظة/ والتنزه في الحدائق/ وأخذ جميع الناس بالأحضان”.

