دمشق – عمر الشيخ
النهار اللبنانية
الأحد 19-شباط 2012
العدد24652
ينشغل رسّام الكاريكاتور السوري هاني عباس بالمشهد اليومي الأليم الغارق في الدم، عبر مجموعة رسوم منشورة في المواقع الإلكترونية وفي صفحته على الـ”فايسبوك”، محاولاً قول كلمته أمام عصف الفرز الراهن جراء ما يحدث من الاحتجاجات على طول البلاد وعرضها.
يحرص عباس على محاكاة الأمكنة والشخوص الرمزية عبر مقاربة تخيلية تضع فكرته في أشكال اعتيادية، مضيفاً إليها تفاصيل صادمة بعيداً من المباشرة، مستخدماً مفردات اللون كطرف مساعد في إيحاء الفكرة. نجد في كاريكاتور المدينة الرمادية “قبر رقم1”، مباني متراصة على ألمها، كما لو أنها مجسم عملاق ترتفع في آخر جدرانه شاهدة قبر ضخمة، في دلالة على موت كل شيء حقيقي تقريباً في المدينة. كأنه يصور وحشة الحجارة، والأجساد النحيلة المتخفية في ظل ذاك الموت. ربما هي دمشق الباردة أو ريفها الحزين أو صمت المدن الكبيرة الذي يخبئ للوجع موطئ قدم ما برح يصمم قبوراً على مقاسات القمع المتربص في كاريكاتور آخر لمجسم مكعب يحتوي على مجموعة نوافذ، تقيد أضواء أحجارها المتقاطعة، قضبان زنازين وبعض الأيادي تودع أحداً، أو تستغيث ألماً، أو تومئ الى اللّه بأن ثمة الكثير من التعب في عزلة طويلة مع الظلم.
حتى تفاصيل الحياة الصغيرة لا تغيب عن الكاريكاتور، إذ نلاحظ التهكم الفني في “ساعة رملية”، التفاتاً الى التقنين اليومي للكهرباء الذي يعاني منه السوريون، من خلال ساعة رملية، يحركها تناقص الضوء في سقوط ضيق ومؤرق يحمل في رمزيته تذمر الشارع من الضغط الذي يصبّ على نار الشوارع زيت المتاجرة بأعصاب الناس. في “دمى القلم” يفضح عباس مدى نفوذ السلطة في التحكم حتى بالآراء والخلق والكتابة التي لا تستحق كل هذه المراقبة المستمرة خوافاً من الأفكار الجديدة البناءة ومن التغيير الثقافي الذي قد يشعل فتيل التجديد.
في هذا الوقت، يرى عباس أنه لم يبقَ للمجتمع السوري الثائر إلا أن يتدفأ على قلوب أناسه، وهو إلى جانبهم وقود فني يتمثل في خزان صغير لمدفأة الوحشة على هيئة قلب أحمر قانٍ، لا يقطر دماً، إنما يشعل حباً من نبضه السوري الدّفاق على رغم وابل الرصاص الخائف من قوة هذه القلوب. هكذا يرى عباس الثورة الفكرية من خلال رسومه، يتوقف قليلاً، يمسح شيئاً “قاسياً”، كما يسميه، يخفف من حدة استفزاز الرقيب، ويرسم بحرية، وينشر كل شيء حرصاً على الوثائق التاريخية التي ألهمته المرحلة الراهنة كل مفرداتها وأفكارها وحرارتها الفنية المختلفة عن السائد من الصمت والتجاهل.
أما في كوكب الـ”فايسبوك” الافتراضي، فيصطاد هاني عباس سجالات سكان هذا الفضاء، فيرسم “صليب الـ”فايسبوك” وقد اعتلاه أحد رواده مصلوباً بمسامير على شكل الإشعارات التي يصدرها موقع التواصل الشهير، في محاولة لكشف الهشاشة الكبيرة التي يعيشها الناس في كل أنحاء العالم جراء فقدهم ثقافة الانتقاد. فهم إمّا يؤيدون رأيك، وإما يصلبونك إن خالفتهم، تماماً كما يحدث على الأرض الآن. من ناحية أخرى، يرى عباس أن للـ”فايسبوك” محاسن أيضاً في كشف باطن الكائنات من أفكار وتصورات وبوح خجول، ويتجلى ذلك في لوحة لأيقونة موقع التواصل الاجتماعي وقد برزت رؤوس سكانه من خلف الأيقونة على المساحة البيضاء لحرف f متشابهة في الأشكال، مختلفة في العمر والتجربة والعيون الحائرة.
مشروعه الأخير الذي يعمل عليه حالياً، مجموعة كبيرة من لوحات كاريكاتورية ترصد مواقف رمزية لعالم السمك في قاع البحر، في مقاربة تكشف عن وحشة البشر واستهتارهم بتلك الكائنات، من خلال نموذج السمكة التي تجاوزت كل صنارات الصيد ومضت بدمائها وسط البحر كرمز للحرية.


