دمشق – عمر الشيخ
————————
تزاحمت الأضواء في تفاصيل الفراغ وهرعت العدسات تلتقط ما يحلو لها. احتفاءً بالفراغ تحاول الصور أن تترك انطباعاً لكن من دون جدوى! لعل هذا الوصف يناسب ما شاهدناه من أعمال معرض التصوير الضوئي الذي أقيم في “صالة الشعب” تحت عنوان “الهوية” لمجموعة من المصورين الهواة في رعاية وزارة الثقافة، نتيجة ورشة تعليمية في المعهد التقني للفنون التطبيقية في قلعة دمشق.
مجموعة كبيرة ساهمت في رسم تصور باطني للمصورين المشاركين عن التفاصيل الفكرية التي يمكن أن تدرج ضمن ما ينتمي الى الهوية، لكننا لم نعلم ما هي الهوية التي كانت الأعمال المعروضة تسعى الى إبرازها. فهي على رغم تخبطها التقني وضيق مفهومها المستهلك، نجدها تحتفي بالأمكنة من محاولات سابقة لرصد التفاصيل اليومية لحياة الناس وتعايشهم الاجتماعي مع المحيط. السؤال الأهم كيف لمجموعة من الهواة أن تتبنى موضوعاً ثقافياً شديد الخصوصية والأهمية كالهوية؟ وعلى اعتبار أن المحاولة يمكن أن تنجب استثناءً في خريطة التجريب، فقد تجاوزت المحاولات حدود الاختلاف بشكل عكسي، إذ تحولت نحو تقليد الرائج من الصور المألوفة من خلال تشريح التفاصيل، والغرق في شاغر ضوئي لا يخدم عناصر الصورة، ما يفقدها حيويتها وتركيزها الفني على المشهد الملتقط.انحصرت أفكار المعرض ضمن الأمكنة الدمشقية القديمة والجامع الأموي ومشاهد لقلعة دمشق وبعض الوجوه العابرة وشيء من الأعمال الزجاجية المتحركة، إلى مشاهد الأشجار الخريفية والأوراق المتساقطة قرب الأبواب المهجورة. لم ترتكز كل تلك التفاصيل على مفهوم الهوية كثقافة وحضارة وتراث معياري ينتمي إلى تاريخ عريق عمره آلاف السنوات، إلا إذا اعتبرنا أن الهواة اكتشفوا رؤيا مختلفة لتعريف الهوية لدحض ما نعرفه عن تلك الثقافة البصرية التي لا تختصرها ورشة تصوير عمرها بضعة أيام! كان في الإمكان أن تشتغل مجموعة المصورين على موضوع مناسب لحجم خبراتهم الفنية، لكن ما نتج سريعاً يزول سريعاً، خصوصاً في التصوير الضوئي الذي يحتاج الى عين فنية تشاهد كثيراً وتلتقط في توقيت ذكي يثير الدهشة بجماليته الخاصة.ربما هي لقطات سياحية للتعرف إلى النقاط المجهولة بالنسبة الى زوار دمشق، أو قد تجد لقطة صحافية لمتسول يجمع القمامة في خرابة عمرانية مخفية. أحياناً تلتقي بوجه طفلة تترك سرّها في أذن طفل ضمن صحن الجامع الأموي، وأحياناً أخرى تطل علينا عينا صبية من وراء لثامها ضمن كادر أثري لجامع قديم. في المحصلة تبقى تلك اللقطات مجرد فرجة يومية يمكن أن يلتقطها أي عابر لم يدرس المفاهيم الجمالية لتذوق اللقطة الدرامية التي تدل على ندرتها في لحظة توقف الزمن أمام عدسة المصور. بمعنى أدق، غابت ثقافة البحث والتمهل، وحضر التجريب المجاني ليترك لنا فيضاً من البوصلات الضائعة لعيون لا تعرف ماذا تريد!ليس انتقاصاً من شأن الهواة، لكن ثقافة التذوق البصري أو بالأحرى ثقافة البحث والمعرفة ضمن التخصص المراد العمل عليه لتقديمه في النهاية الى جمهور المتلقين، تتطلب تجارب واختبارات عميقة بخلاف المعروضات، التي تحتاج لغربلة للإمساك بخيط فكري يدل على خصوصية هذا المقترح بعيداً من نظرة النيات الحسنة. فنحن أمام محاكمة جدية لجيل من المصورين الشباب نأمل أن يعيدوا النظر في ما قدموه خوفاً على هوية تكاد تضيع في عدساتهم.
الرابط
http://www.annahar.com/article.php?t=adab&p=2&d=24617
النهار اللبنانية
الجمعة13-1-2012
العدد 24617

