تأكيد الحطام..

لا لا لست مكتئباً، ولا أفكر في نهاية العالم، على الرغم من أن صديقي علي سفر زيّن لي قلقي بنص عن موضوع نهاية العالم حين نقل هذا (أن البشر يتمتعون بإرادة حرة، وإن هناك فرصة للتغيير قد تؤدي إلى عالم أفضل) لا لا لست مكتئباً، على الرغم من أن بودلير اقتحم مزرعة روحي بأزهار الشر وأخبرني أن (إن قلبي يسير كالطبل المبحوح الذي يتجه إلى مقبرة معزولة بعيداً عن المدافن المشهورة وهو يقرع الأناشيد الجنائزية) لا لا لست مكتئباً أيها السادة فميلانكوليا كوكب سيخترق الأرض قريباً وسنرقص على حفل استقباله رقصة الموت على إيقاعات بيتهوفن..
لا لا لست كما يقال عن باقي خلق الله، مكتئبون، أنا متفائل إلى حد البكاء، وأستطيع أن أكتب عن الألم بنفس الطريقة التي سأكتب بها عن الفرح بعد حين، ولكني بكل الأحوال أنا لست مكتئباً، ويمكن للأزهار الطيبة أن تطلع قرب الأرصفة الموحشة هناك، حيث يرتجف الخوف من حماسة القلوب الجريئة، لا لا لست مكتئباً إلى هذه الدرجة المريضة، كل ما في الموضوع أن نهاية العالم اقتربت حسب تقويم حضارة المايا، وهنالك أسباب غير صالحة للنشر تختلط في طمأنينتي، لا لا يزعجني سرب الدبابير الذي يطلع في المشهد كلما فكرت أن أسرق لقطتي من الطرقات، لأن رسام الكاريكاتير صديقي هاني عباس أهداني دزينة من الجراح تكفي لهذا العالم ولألوانه المقفرة..
بينما تطفح عشوائيات بيتنا في مطارح السكون، أقرأ في غيوم الرماد فوق مدينتي: لا لا لست مكتئباً..! حتى تحولت إلى أغنية أرددها ممازحاً قلبي ووجه أصدقائي، من أين كل هذا الإحباط الذي يراود مخيلتنا وإيقاع وجعنا في الطرقات وعلى سرير النوم، لا لا لست مكتئباً يقول (اللابتوب) كذلك الأمر بالنسبة لصفحتي الشخصية في فيس بوك ليست مكتئبة، ولا صورة زميلي في الجريدة مكتئبة.. إطلاقاً لا أحد.. ولا شيء، ليس ثمة اكتئاب!
لا صديقي الذي يناوب على الإنترنت مكتئب، ولا جاره البعيد في ضواحي المجهول مكتئب، لا ماسح الأحذية في دروب العاصمة المرتبكة يظن أنه مكتئب، ولا خطوط الكهرباء تعتقد أنها سبب اكتئاب حين تنام لساعات طويلة دون حرارة، ولا وجه سائق التكاسي يفكر للحظة أنه نكد الحياة أو سبب اكتئاب حين يغلق العداد قائلاً (ما بتوفي معنا..).
مها سقنا في تهويمات سؤال الذات عن جدوى الاعتراف بالصداع، فقد يخفف ذلك عن عاتق الشخص تماشيه مع الوضع العام لنشر التجهيل، والتهميش الحيوي لكل تكوينات الفكر والجدل وطرق التعبير عن الرأي، وهذا تحديداً ما يجعل الاكتئاب هدفاً جيداً للجسد والروح والعقل والعاطفي، فكلما اعترفنا بعدم وجود هذا الإحساس تأكد لنا أنه قد شرش في جذور أرواحنا وفي فرص تفاؤلنا الضيقة.
هناك حيث تقع منطقة الاحتمال الكارثة أو لا تقع، تكمن مصيبة أعراض الكآبة! فعبارة (لا لا لست مكتئباً) جواب مستمر لأي حدث أو مشكلة أو رسالة لا على التعيين نتلقفها من الآخرين عن أحوالنا، فهل نكذب؟ أم نعض على الوجع، هل سنفكر مجدداً بنهاية العالم، أم سنقرأ مراثي بودلير ورامبو؟ هل سنتناول النبيذ البلدي في حين يخترق كوكب متطفل الكرة الأرضية بكل رضاً وصمت، مدمراً كل شيء..!
في روية أخرى الميلانكوليا -أو المليخوليا بالعربية- بتعريف مبسّط، هي حالة عقلية أعراضها اكتئاب ومزاج متعكر دون سبب واضح، وحرفياً هي كلمة باللغة اللاتينية تعني الحزن. في الماضي نُسب أي مرض عقلي أو نفسي لهذا المصطلح. هي أيضاً عنوان إحدى لوحات الرسام الألماني «Albrecht Durer».
لعل ذلك من آثار هذه السيمفونية الأليمة.. يا ترى متى سنكف عن المعرفة والحقيقة الموجعة؟؟

أضف تعليق