هول الاكتشاف..!

الطفل يكتشف الوجه الآخر للظلمة حين تنقطع الكهرباء، في حين يكتشف الإنسان الناضج حجم الارتباك الذي يمكن أن يصبّه كي يشرح للطفل ماذا تعني كلمة تقنين، لو سأله الصغير أين النور..!
والقطة تعرف أن السيارات المسرعة لا تناسب صورة حياتها الأخيرة حتى تمضي تحت عجلاتها لكنها تعتقد أنها أسرع منها، فلا يدرك السائق المشغول أن ثمة حيواناً قُتل باستهتاره، فيكتشف الناس أن ذلك قضاء وقدر..!
المراهق الطيب يشتري كتب نزار قباني ليخط لحبيبته رسالة إعجابه الأولى، لكنه لا يكتشف أن الفتاة تكره الشعر والشعراء وتحب الفيسبوك ومحادثة الكاميرا عبر السكايبي..!
اللوحة الممحوة بصقيع ريف دمشق لا تمثل إعلان دعاية حقيقية لأهم ماركات التدفئة المحلية، لأن العابرين اكتشفوا أن وقودها «المازوت» أصبح حلماً مستحيلاً..!
الشارع الذي تدور فيه البحيرات ساكتةً عن قهرها لم يكتشف أن ثمة عدسات لئيمة ترصد خواءه من الحقيقة وطوفانه بالوحشة التي عززت سخريتها مكبرات أغاني (تيرشرش.. تيرشرش.. )..!
يحلم المرء ببداية يوم نشيط وحيوية وطاقة إيجابية، لكنه يكتشف -حسبما قرأ- أن المنبه بصوته الإجرامي الصباحي هو سبب هذا الإحباط اليومي الذي يبدأ فيه نهاره، كيف ينهض من النوم بهذه الطريقة القاسية التي تخرق ضعف الإنسانية بتقنياتها وصخبها وألمها…!
الضيعة القديمة على ضفاف الفرات غمرها النهر وفيضانه، لكن أحداً لم ينتبه للسكان، في حين اكتشف التاريخ أن الشمال منذ زمن وهو يعاني من إقصاء مرير لا مبرر له..!
نكتشف وننكشف ونكاشف ونغرق في هول الأمثلة فلا نعرف من أين نبدأ ولا كيف نسد هذه الزوبعة من الأسئلة..؟ هل نصنع ناطحات سحاب ورقية ونحضر الجن والأرواح حتى نكتشف أن ذلك مجرد وهم..! نحن لسنا محكومين بالأمل، نحن محاكمون بالمحاولة من ثم الفشل والتراجع أو النجاح والاستمرار، هذا الأمل لا يعرف كشفاً له، هل جرّب أحداً أن يكتشف أن هناك أملاً بشيء لا وضوح في تفاصيله؟ إما أن يحدث وتنتهي القصة، أو لا يحدث وبالتالي لن يكون هنالك قصة، ثم ما هو..؟ ربما الاكتشاف..! نحن نسعى لنكتشف لا نقع على وجوهنا في حفر ومواقف وأزمات حتى نكتشف!؟ نريد أن نكتشف حقاً ما لا نعرفه، لا يسمح لنا بتجريب شيء، بسبب تقاليد المجتمع، لا يمكننا أن نبحث عن شيء، لأن ذلك محظور عن النشر ولا يجوز المساس به، ترى كم حياة يمكن للكائن البشري أن يعيش، ربما حياتين والأهم هي حين يبدأ عمره باكتشاف التفاصيل، الكون، المجتمع، الثقافة، الناس، المعرفة، اختلاف العروق في بقاع الأرض، أن نكتشف يعني أن لحياتنا حضوراً، لسنا من هواة الفرجة، نريد أن نشارك في لعبة الحياة، ترى هل أكتشف شخصياً هذه الأفكار للمرة الأولى؟ سألت نفسي، ثم قلتها بصوت واضح، فاكتشفت أن الذي يسأل نفسه في العلن يترك أثراً أكثر من التمتمة في الباطن، هل نتعامل مع كل بوحنا وفضولنا هكذا حتى نكتشف كم هي الحياة متسعة لكل شيء، حتى للموت، فهي لا توفر أحداً إلا وتقدمه للموت في حوادثها الأليمة، فنكتشف أن الحياة خائنة أيضاً..!
بين المخيلة والحقيقة هنالك فروق لا تنتهي، الأولى ممتعة وضائعة، والثانية مباشرة وواقعية، هما بابان لا ينتهيان من شدة هول الاكتشاف، متى يمكن لهذا الشعور أو هذه المعادلة أن تترك لنا حرية التنقل كما نريد لا كما يرسمها لنا الرقيب، هل اكتشف العرب الأقدمون رئة واحدة عند الإنسان واكتفوا بذلك؟ هل اكتشف «سيلفادور دالي» فكرة الساعات الذائبة وانتهى من الإبداع؟
بالمحصلة هي مجرد صور لغوية لهذا الشيء الذي نصرّ على إغفاله في خضم الأحداث، نصمت ننتظر نتأمل، لا نفكر للحظة بالتقصي والبحث والاطلاع على النتائج، وعلى كيفية معالجة هذه الصعقات الاجتماعية التي جاءت من وراء تخدير حس الاكتشاف… ولكن هل من ضمانات..؟

أضف تعليق