كلمات الضوء

عمر الشيخ

مشهد 1
يستكين الرصيف المحاذي لجسر فكتوريا إلى صمت مؤقت، كان الصوت الأنثوي يصدح على لفيف المكتبات، ويمطر حبات السماء بارتباك وخوف جاهز لأي وشاية، الأجساد التي هرعت من بين الزقاق أفلتت حكاية صمتها على كل الإحداثيات، وفي الزاوية العابرة للضباب كانت الكهرباء المقطوعة تخبئ تحت ضوء البلدية الوحيد عناء جسد خائف من الكبريت الذي يشتعل في الأطراف ويكاد يحرق كل شيء.
بينما أهمّ بالابتعاد عن قلقي وعجزي قليلاً، أيقنت أني سمعت صوتاً ما، قبل أن يغزو العدم أذني، كانت حقائب المدرسة منثورة في مداخل البنايات، وعلى أطيان المطر والصقيع، وحده الوجه المبتسم لميكي ماوس على غلاف أحد الدفاتر بدأ يبكي، حاولت أن أصل للعنوان لكن الزحام والركض المتقطع أجبرني على الاختفاء، وحقيقة المشهد أرجعت لي قسوة أفلام الاعتلال الملتهب لأنفاس الطبقات المسحوقة في المجتمع، اقتربت قليلاً من الشجرة لأسند جسدي، لكني اكتشفت أن الشجر يبكي أيضاً وينتظر المطر حتى يخفي دموعه مثل قلوبنا التي يصعقها ما يحصل على الأرض..
كذلك كان الحلم الأصفر يراودني في الشارع الخلفي لبستان التعب، لم أفقد توازني، لكن الأرض ارتعدت قليلاً لتسمع وقع الأدرينالين، كتماني وهول الوشاية أربكني، كنت أريد أن أركض، لكني تأكدت أنهم أخوتي أيضاً، سلّم عليهم قلبي ومضى إلى صمته، سحبني صديقي وقال لي: «لقد أثقل قلبي هذا اليوم بما رأيت، هل يمكن أن يحدث كل ذلك على وجه الأرض .
هززت رأسي ونشيج أصابعي بدأ يصفق وجهي بمزيد من الذهول، ترى من هؤلاء؟ وهل براءة الأسئلة سطحية إلى هذه الدرجة؟ كأن صديقي يسمعني: أرجوك لا تسأل فقد تختفي يوماً بسبب الفضول..؟!

مشهد 2
في سوق الألوان، لم أجد ما يناسب توتري، ولا حتى القماش الأبيض كان يغريني بالتشطيب على الذاكرة التي غادرت للتو سخونتها، تجولت قليلاً، وتجولت في جسدي العيون الحائرة، لماذا أتعرق في عزّ الشتاء؟ ولماذا ألهث في كينونة اللوحات والتشكيل الرمزي المتألق؟ لا أعرف حينها من كنت؟ هل أنا أبحث عن ألوان، وريش وقماش، للرسم ولتفريغ هذا الخوف؟ أم أبحث عن مسكنات للأعصاب؟ أم أنني أساساً دخلت هذا المكان لأختبئ من شيء أو من كائنات أراها للمرة الأولى؟
لقد كنت على الأرض، على الأرض تماماً، وكانت رائحة التراب سلطانة على رئتي، ظننت أني في المنام لكن البلل أكل جسدي، والشوارع الموحشة أتقنت في فراغها فزعي، جلست في الموقف الرسمي للألم أنتظر باص الراحلين بينما تحرك يد بعيدة كفها ملوحة لي بالانتظار، أمعنت النظر بالجسد البعيد، لكن الضباب أغلق الصورة هكذا… هي ذي إذاً أشرطة سينمائية مسجلة على واجهة وكالة سوني أمام جسر فكتوريا، السعر باهظ للغاية، والشاشة الخيالية أغرقت مخيلتي بكثير من الأحلام، ترى ما سرّ هذا الخيال والأفكار التي اجتاحتني فوراً؟
وبلمحة عين أخرجت من حقيبتي مغلفاً صغيراً، وكتبت مشاهداتي المؤلمة والحاضرة في أي وقت وسيرة، وكتبت على الوجه الخلفي للظرف: إلى الضوء المخادع في كل مكان، هذا المغلف السري من آثار عنفك السريع، هل من الممكن أن تخفف فضيحتك الأسطورية باختراق عيوننا، فنحن على مهل كعربة جمال باشا السفاح ننتظر ببطء شديد أن يطلع فجر السلام على الوجوه المكفهرة…!

مشهد 3
الغبار الذي ملأ الطريق المؤدي إلى حديقة الفورسيزن جراء مشروع الترميم المواجه لها، أخفق قليلاً في حدة نظري، وبدل أن أضع الظرف في حقيبتي لأصل إلى مكتب البريد، وضعته في الجورة الكبيرة التي تغرق في العمق عشرة أمتار وفي صلبها ينتصب أساس الحديد لبناء قادم ربما لسينما أو مؤسسة أو مشفى، أتمنى أن يكون شيئاً جيداً، وقعت الظرف في الأسفل، في عمق العتمة، الماء والحجارة استقبلته بحنان، وعينان بدأتا تراقبان غياب ظله قبل ارتطامه بسطح المستنقع المؤقت الذي يخاف الكائن السقوط في أحضانه، انتظرت قليلاً، لعل الشريط الذي كتبته في الرسالة يصبح شاشة مائية لأمنيات السلام، لكنه اختفى، بينما أيقظني صوت حارس مشروع الحفر وهو ينادي علي: (يا أستاذ روح من هون بلا ما يصيبك دوار الحفر وتوقع.. رووح هونيك حديقة الفورسيزن… قرب لقدام..) شكرته بسرعة، ورجوته إن رأى أحلامي تطفو في شريط غريق في الأسفل أن ينقذها ويخبر الضوء أن أحد أبنائه سقط هنا على هيئة كلمات…

أضف تعليق