عندما يقع الإضحاك في شرك التقليد.. ما الذي تعنيه لنا الكوميديا؟

السخرية في تفسير راهن.. هل تصنع الضحك أم تصمّغه؟

الكوميديا (الملهاة) هو نوع من أنواع التمثيل، في أفلام التلفزيون أو السينما (دور الخيالة)، تكون به أحداث مضحكة أو نهاية سعيدة. يمكن للملهاة (الكوميديا) أيضاً أن تكون النكت التي يقولها الناس لبعضهم البعض أو القصص المضحكة، ويقال إنها بدأت على يد الإغريق منذ عصر اليونان القديمة. يسمى الأشخاص الذين يمثلون الكوميديا بالكوميديين. هذا الحديث على ذمة موقع ويكيبيديا الإلكتروني، ولكن ماذا يكون جواب المهتمين وغيرهم عن: ماذا تعني لك الكوميديا؟ بعيداً عن المرور في المراحل التاريخية لهذا الفن، نعبر إلى الشارع، إلى المتفرج تماماً، ولنطرح السؤال بشكل آخر أيضاً: إلى أي درجة يتواصل الناس مع هذا العالم؟ لعل أغلبهم يحبذ اصطياد الضحك في وجوه مغمورة ربما في مقطع فيديو، أو موقف كوميدي عابر في يومياته، بعيداً عن أساطير هذا الفن في العالمين العربي والعالمي، ربما تتشكل الكوميديا من تعليق مكتوب في مكان ما، أو من صورة تظهر على الشاشة أو في مطبوعة، لكن حالة المفاجأة الكوميدية هي ما يستحق فعلاً أن يكون، حيث يظن الأغلبية أن هذا الفن هو محصول جاهز للتناول كوجبة طعام، ولم يعد فناً عفوياً يمكن أن يأتي بأي لحظة، ولكن ترى ماذا يقول أولئك المتابعون والمثقفون عن معنى الكوميديا في حياتهم؟
هنالك أناس كثر تعود بهم الذاكرة إلى مسلسلات الأنيمشن الكوميديا، وآخرون يعتبرون أن قمة التراجيديا (المأساة- الحزن) ينتج كوميديا عبر السخرية غير المباشرة منه، وهكذا تختلف وجهات النظر كل حسب ثقافته، فهنالك من عرّف الإضحاك أكاديمياً كما ترجم عن كتب عالمية، وهنالك من وجد في صمته أكثر كوميديا مناسبة للضحك!!
تعريف
يعتقد عوض قدور (سينمائي) بأن ما نعيشه في يومياتنا بتركيبة دقيقة للغاية هو تعريف منطقي للكوميديا إذ يقول عنها: (هي حالة حقيقة نعيشها في أدق التفاصيل وأتعس التفاصيل هي حالة صحية لأي مجتمع يعيش ضمن بساطة وضمن حقيقة مجتمعه) ولكن يبدو هذا الكلام في بنيته العامة كتعريف، تعبيراً معرفياً لهذه الحالة أكثر منه انطباعاً عفوياً وعابراً يدل على باطن قائله ومدى إحساسه بهذا الفن، لأننا هنا نقارب من شكل الحالة العامة المعرفية لخلاصة هذا العالم المقصود هنا بالكوميديا.
أقاليم
بينما يرى أيهم سلمان (صحفي) أن الكوميديا ببساطة هي أكثر الفنون ارتباطاً بالواقع وتختلف معايير تذوقها بين شعب وآخر، وتختلف أنماط تلقيها وقبولها بحسب أنماط الحياة (السئيل بمصر.. ظريف بالهند.. مثلاً) هنا نقع أمام انطباع آخر يبدو أكثر خفة وتعلقاً بالتقاليد الشعبية للضحك، وبالنموذج العام لشخصية الكوميدي، أو مصدر الكوميديا، رغم أن السؤال لا يتطلب هذا الشرح، لعله أخذ شكل السؤال عن تعريف التلقي والقبول والظهور- الحدث الذي صنعها.

تركيب
ولكن أنس زرزر (ناقد) يظن أن الكوميديا هي تناول مشاكل الحياة وأحداثها ببساطة وسخرية، فتوليد حالة الضحك كما يراها: (يحتاج إلى إدراك المحيط ومن ثم إعادة تقديمه ببساطة بعيداً عن التعقيد) ويضيف: الكوميديا لها ثلاثة محاور أساسية ترتبط بالتابوهات والمحرمات (الدين- السياسة- الجنس) وهي المحاور الأساسية نفسها التي تسبب التعاسة للبعض. يبدو زرزر ممسكاً بالقصة جيداً، وأفادته مقدرته النقدية على التحليل أكثر، فهو لم يقدم تشكيلاً حسياً للكوميديا إنما تحدث عنها بإيجاز تفسيرها الفعلي، وهو حالة السخرية والعفوية، ولعل هذا الجانب ما يفتقده كثير من الناس سواءً في تأديته أو في التقاطه من مكان أو مشهد أو حالة.

شعر
يلتقي ألجي حسين (صحفي) بالكوميديا من ناحية شعرية وإنسانية حيث يقول: (الكوميديا هي لحظات اقتطاف للسعادة من أسطح الحزن ومناشر الكذب الإنساني، والتحايل على واقع مأساوي بابتسامات قد تتحول إلى ضحكات تزهر ثمار الألم محولةً إياه إلى فن صعب في تمثيله سهل في تلخيصه، هي بالتالي الوجه الآخر للحياة) وباتجاه المنحى الفلسفي يقودنا حسين في قراءته الفكرية والحسية أكثر، ولكن كنا نبحث عن هذه البساطة في قول ما تعنيه الكوميديا حقاً له، فجاء الجواب: هي الوجه الآخر للحياة، فالتراجيديا تقف في كفة الميزان الآخر لمشاعرنا، ونحن ورصيدنا في التجارب والاكتشاف، ما الذي سنجنيه من الضحك أمام كواكب الدموع التي تذرف في فجائع البشر.
تسلية
وعلى ضفة أخرى يقف أحمد مفتاح- (مشرف في موقع إلكتروني منوع) معترفاً بقوة الكوميديا الطاردة للملل والمنتزعة ضحكاتهم الخجولة من باطن أرواحهم: (الكوميديا هي ضرورة اجتماعية وهي موجودة منذ أقدم العصور، بل وجدت مع خلق الإنسان، وتنبع أهميتها من دورها في طرد الملل من نفوس الناس وانتزاع الابتسامة بطرق عديدة ولا تستخدم دائماً في سبيل السخرية والفكاهة، بل وعلى العكس نستطيع من خلالها إيصال الرسالة التي نريد أياً كان نوعها) وهذه الفوائد التي يمكن أن يجنيها المفتاح من لقاء الكوميديا، لكن رغدة حيدر (فنانة غرافيك) تعلق عبوس الناس من الهموم على ضغط المجتمع فتأتي الكوميديا كمخلص فعال ربما لا تتمثل بحالات، قد ترتبط بأشخاص مرحين ويفعلون الفرح أينما وجدوا (ربما نحلم..!): (الكوميديا عالم بحد ذاته وجزء من شيء روحاني) تقول رغد وتضيف: الكوميديا تسلية وترفيه.. وهذا ما نحتاجه في مجتمعنا..!

وقار
وفي رؤية أخرى نابعة عن تحليل أكثر عمقاً تقول نادين باخص (روائية): (في ظل واقع تراجيدي للنخاع، أرى أنه قد يكون هنالك سبيل متطرّف نوعاً ما للتمكّن من مواصلة الحياة، وهو تصعيد أيّة ذروة تراجيدية يبلغها الإنسان إلى حالة من حالات الكوميديا، وهو بالتأكيد قادر على هذا، فالكوميديا والتراجيديا أساساً متلازمتان في شخصيته، وكثيراً ما لا تنفصلان عن بعضهما البعض) وتضيف: بالنسبة إلي قلّما أظهر الجانب الكوميدي من شخصيتي، وقلّما أضحك من نكتة تُحكى أمامي، فالكوميديا شيء متعلق بطفولة أعلنها لنفسي وللأشخاص المقربين مني، لاسيما الأطفال منهم.

أخيراً
كل يقرأ حسب ثقافته، ولا يتركنا التنظير من حالة المعاش الواقعي، ربما لأن طبيعة التنظير هي كوميديا أساساً..! فكلما أغرقنا بحثنا عن التراجيديا التي أنهكت وقتنا ومخيلتنا كانت الكوميديا تنتظر خارج اللعبة لتسمع ما يمكن أن نقوله عنها حتى تتحسس صدقنا وتدخل حياتنا حقاً..

عمر الشيخ / رقم العدد : 566
النهصة

أضف تعليق