تمر السنوات ونلتقط صوراً لا نعرف لماذا؟ نحتفظ بها لنتذكر! لنضحك! لنبكي! لنشتاق..! ولكن لماذا طالما أن الحياة لن تعود خطوة واحدة للوراء، نحن كائنات غارقة في النسيان بحسب ميلان كونديرا، وشهية العودة تطالعنا دائماً عبر أسلاك الصور تحت الحمراء التي تجذب عيوننا ومخيلتنا وآفاق أحلامنا وأمنياتنا الطاعنة بالأمل، ما الذي صنعته ثقافة الصورة في حياتنا؟ تُرانا أسرى تلك المشاهد الجميلة التي لن تتكرر بوقائعها؟ وقد تعاد بتفاصيل أجمل وأكثر تجدداً وحياة..! نلتقط الصورة على الهاتف الجوال، وربما عبر كاميرا ديجتال، أو قد نستخدم كاميرا احترافية، لكننا في جميع الأحوال نركب لحياتنا إطاراً ملوناً مزخرفاً بالذكريات والصور، إنه شيء مضحك، أن نضيع في اللحظة، الآن، الوقت كي نشاهد ألبوم أفكار ووجهاً وعيوناً ومكاشفات، هل ستخرج الشخوص من الكوادر الورقية التي ترك فيها ومشت في وميض الحياة أسرع من الضوء؟
إذا استثنينا صور المعاملات الرسمية وصور وكالات الأنباء وصور القتل والدم والتلفزة العالمية، وعدنا قليلاً إلى الألبوم الشخصي -على اختلاف رصيده- وحاولنا أن نحاكي تلك الحالة ترى أين نجد ذواتنا وما الذي ننتظره أو نبحث عنه؟
ماذا تمثل الصورة في حياتنا؟ وما المشاعر التي يمكن أن تتركها الصورة، كيف نفسر صدامية المشهد الخاص المحصور هنا بصورة؟ على اختلاف الدقة والألوان نفكر، نحلل ولا تكون إجابتنا إلا من قاموس العاطفة، نحن كائنات تحكمها العاطفة باستمرار، حتى حين نقول إن العمل لا يمكن أن يمشي بالعواطف، لكنا سحقنا بعضنا منذ زمن، هو خيط العنفوان إذاً الذي يستدرج الصور في القوة والضعف، في الفرح والحزن، في اللقاء وفي الغياب.. هل هنالك صورة تشعرك بالحياة وأفراحها وأخرى تأخذك إلى رعب لحظي..؟
تاريخ أم وثيقة؟
تتعلق الصورة بالتاريخ، بالانتماء ربما لهذا التاريخ، هكذا يرى أحمد باشا (كاتب شاب) أن العلاقة مع الصورة تشبه إلى حد بعيد العلاقة مع الذاكرة: «بقدر ما نحب تاريخنا وذاكرتنا نحن نحب صورنا، وأجمل الصور هي التي نصادفها بعد زمن دون تقصدٍ مسبق بتوثيق لحظةٍ من تاريخنا تكثفها الصورة»، في حين ترى فاتن علي (طالب فنون جميلة) أن التاريخ عادةً لا يكفيه الصور فالكتابة تتعلق بمنهجية ما نؤرخ، وإذا أردنا تحميل الصورة أكثر منها لحظة للتذكر، فإننا نفقدها قيمتها الفنية: «الصورة بريق مهما مرت عليه سنون يبقى ألقه محافظاً على قوته وتأثيره، لا يقلب الموازين ويغير مسارات العصر، كما التاريخ ونصوصه وتأويلها، المسألة تتعلق كثيراً بوثائقية فنية أولاً من ثم بدلالات حسية تحمل في تركيبتها حالة من الهستيرية المرحة الباطنة التي تترجم في الوجه إلى بسمة أو غصة» إنها الكيمياء مجدداً، تضيف فاتن، لكننا كتل من مشاعر وأحاسيس فنلصق كل شيء بالكيمياء والخلائط السرية التي ابتكرها البشر، في حين نحن من ابتكار المعجزة الإلهية، الخالق، فهل نختصر هذا التكوين بصورة تعبر عنا بقوة..؟
تفسير الذهول
كيف تصنع الصورة آثارها؟ ربما عندما تتعلق بالحنين والذكريات تقول رغدة حيدر (مصممة غرافيك) أو عندما يكون لها علاقة بالألم، وتضيف: «هنالك صور لها ارتباط وثيق بالطفولة والخيال، أو بوحي قصة قرأناها، أو بحدث عبرنا ضمنه، الصورة تحليل نفسي لباطن الشخص، وهي ارتباط بين البصر الذي يمثل حاسة الرؤيا والبصيرة التي تنوي عن الإحساس والعاطفة، اجتماع هذين العنصرين يعطينا ذاك الإحساس الغريب الذي تسأل عنه» هل يبدو السؤال معضلة إلى هذه الدرجة؟ ربما لأننا لم نعتد على قول حقيقة ما يصدمنا بمشهد أكثر من علامات الذهول، لن نفسر الذهول بالتأكيد، هنالك أشياء نشعرها لكنها أبلغ من أن تقال، فهي يمكن أن تحسّ وحسب، وهنا يرى محمد رسلان (مصور فوتوغرافي) أن ما يمكن إنتاجه في أستديو التصوير التجاري يختلف كثيراً عن اللقطة المقصود الحديث عنها هنا، فتلك تعتمد على التصنع أحياناً وعلى كاميرا الإضاءة الكبيرة والمعالجة الدقيقة لتفاصيل الوجه، في حين لقطة البيت أو الشارع أو العفوية العابرة هي التي تصنع مجدها: «هنالك لقطات لأناس هواة نالت مراكز كبرى في العالم بذكائها، وخصوصاً أن حالة الذهول التي تصل إلى تجلياتها كلما كانت الصورة حقيقية، تجدها هنا مركبة وفق ذائقة تخصصية في قراءة الحالة الصورية التي تقصدها» وهنا إذ نحرص على المحافظة على واقع الصورة على الإنسان يمكننا القول إن الصمت يبلغ أحياناً أكثر من قراءة الذهول، فالصورة تتحدث عن نفسها، أو لنقل إنها تتحدث عنا بشدة..
التمسك بالمستحيل!
تعتقد رشا صادق (طبيبة جلدية) أننا جميعنا نحاول أن نأخذ لقطة للفرح أو للوهم، لكننا: «لا نلتقط صوراً للحزن، ربما هو هوس المخرجين السوداويين، أما الآخرين لو وجدوا هذه الصورة في أرشيفهم لحذفوها فوراً..!» في حين لم يعش أحمد باشا (كاتب شاب) رعباً أو حزناً في صور ما، يقول: «ربما لكوني أعيش نوعاً من التصالح مع تاريخي ومع ما وثقّ من تاريخ» إذاً يعتبر هنا أن الصورة تأريخ، ويضيف: «مهما يكن من أمر الرعب من صورة أو الحزن من صورة، فهي، لحظة أدبية أكثر منها واقعية» هكذا يعتقد باشا أنه يستفيد من الصور المخيفة أو الحزينة في تركيبة فنية، في حين تؤكد رشا صادق (طبيبة جلدية) أن الصورة لقطة لشيء عابر محاولة للتمسك بشيء لا يمكن الإمساك به في الحقيقة، تقول: «لا أحد يمكن أن يخبئ كلام وجهه أمام عدسة الكاميرا، الصورة دائماً تحرك بي الهواجس، أتمتع بقراءة لغة الوجه والعين في الصورة لأننا جميعاً نرمي خلفنا أقنعتنا حين ننظر في العدسة، كلنا حذرون في هذه اللحظة، لحظة الالتقاط، العين والروح تعيشان حقيقة واحدة هي حقيقة الذات» أهو فعلاً كذلك تمسك بالمستحيل، وقراءة مزاجية للوجوه، التمتع بالماضي، هل قلنا التمتع؟ لا شك أن الماضي قد يكون صورة ومتعة في لقطة، ربما مكاشفة في صمت العيون والألوان التي تحاول التمسك بالوقت لتوقفه..
صورتي التي لاشيء!!
الشعراء عادة يأخذون لكل موضوع قابل للنقاش حساسية خاصة، ولعل أكثرها جدلاً رأي أديب حسن محمد (شاعر) الذي يعتبر أن هذه المدعوة صورة لا تمثل له الكثير، وأخذ مثالاً قاسياً غربته المستمرة مع التقنيات وآثارها وما فعلته بهذا التكوين الفني يقول: «فيما مضى (ما قبل الموبايل والكومبيوتر) كانت الصورة تعني لي الكثير، ربما بسبب من قلتها، أعني قلّة الصور التي أحب، وقلة الفرص في الحصول على صور من أحب، وشيئاً فشيئاً بدأت العلاقة مع الصورة تفقد بريقها، وأول الصور التي لم أعد أعيرها أية أهمية تذكر هي صوري أنا بالذات، فيما مضى عندما كنت أجهّز صوري لمعاملة رسمية كجواز السفر أو شهادة السوق أو بطاقتي الصحفية.. الخ كنت أستبعد الصور التي لا أراها لائقة، وأنتقي الصور التي أكون فيها ساحباً بوزاً بالتعبير العاميّ. الآن لم يعد لذلك أهمية عندي على الإطلاق، أول صورة أعثر عليها في أرشيفي أشبكها بأوراقي الرسمية، وأول صورة متاحة على حاسوبي أرسلها للأصدقاء أو للدوريات الأدبية. وهكذا.. لم تعد الصور تشعرني بشيء ذي بال… خاصة صوري أنا».
الصورة.. شعر خاص..
ومع شاعر آخر تختلف القراءة، إذ يرى إبراهيم حسو (شاعر) أن الصورة تمثل إنتاج إحساس مستمر للذاكرة اليومية القابضة على كومة حياة متنقلة، يقول: «تعني لي جعل الصورة جزءاً من انفعال بصري بسيط وصارخ حسبما تقتضيه مزاجية المشاهدة والتخيل أو تفكير معمّق أو تأمل ظاهري للعين الخفية، العين النائمة، الصورة في حياتي ليست بورتريه مؤّطراً أو صفحة ملونة لرأس إنسان أو أي مخلوق متحرك أو ساكن، إنها ثورة في التفكير، ثورة في الوصف المرتجل لأدنى الشعور الإنساني، إنها ثورة في سلوك العين لتحريك الأشياء وتشتيتها بنفس الوقت، إنها خالقة المعرفة الحسية والعقلية معاً، المعرفة الحدسية والمعرفة العقلية، مجرد مشاهدة صورة معينة تخلق معرفة ذوقية للعين ومجرد التفكير بها أو التعمق فيها تصنع إدراكاً بصرياً لا حدود له، أو كما يقولون تدفقاً بصرياً، وبصحيح القول تبني الصورة قيماً إبداعياً في الكتابة الشعرية وما الوصف إلا سمة ظاهرية لها». ولكن شعوره الأكثر اختلافاً عن غيره وربما المرتبط بثقافة المخيلة يجعله يؤكد أن تنبهه إلى صورته وهو طفل بشيء مخيف من أشباح الماضي: «تنبهني صورتي وأنا طفل صغير إلى شبح قبيح قبع في داخلي وارتسمت معالمه طيلة 32 سنة دون أن أشعر بقبحه إلا عندما أعود لفتح تلك الصورة وأعيش في داخلها لبرهة لتعود صحوتي إليّ، لا أعرف أي غموض هذا الذي يلفَ عمق تلك الصورة لكنني أشعر أنها تمثلني، تمثل قبحي وجبروتي وطغياني ووحشيتي، أتساءل: هل من المعقول أن يكون في داخل كل طفل قبح يجدد تفاصيله مع الكوابيس والأحلام والخدع والهلوسة الليلية المتناوبة، أمعقول أني كنت أنظر إلى صورتي دون أن أقول لنفسي كم أنا لامرئي، كم أنا لا أنا. اليوم أشعر كم أنا مخلص لقبحي.
أما الصورة التي تشعر «حسو» بالحياة فهي تلك الصورة: «التي وثقّت ارتباطي بمحيطي وحولي والتي استلمت عقلي ومخيلتي طيلة 26 سنة، إنها صورة الغياب، غياب المعنى والتمثيل لذات تتغّير مع مرور العمر دون التفاتة أو مسحة عطف، تلك الحياة الصورة التي لم تتوقف مع توقف عدسة الكاميرا الخبيثة».
هنالك قراءة من وحي الشاعرية قد لا يجرؤ الجميع على تبنيها، في حين يلعب الشاعر بلغته على سجية قول الصور كما يريد، فهو حتى في كتابته يستخدم من قواميس الصور كثيراً من المحاولات، ولكن حين تسأله عن الصورة الفوتوغرافية فإنه يغرق بشعرية مفرطة لتضيع أو تنتفي الصورة، فيصبح النص صورة تحتاج لإجابات كثيرة..!
اللغز.. الأصعب
ومع صناع الصورة الضوئية نجد أن المسألة تزداد اختلافاً كلياً فمظفر سلمان (المصور الصحفي) يعتقد أن الصورة الضوئية أكثر الأساليب فاعلية لنقل حالة الإنسان، يقول: «أعتقد أن أحد أهم ألغاز الصورة الضوئية، إنها الأسلوب الوحيد تقريباً، أو لنقل الأكثر فاعلية، في تقبل الإنسان لهزائمه، وتساعده إلى حد بعيد للمصالحة مع نفسه بالدرجة الأولى». ويضيف: هناك دائماً ألبوم صور، مرتبط بالحزن غالباً، لكن الأمر المثير، أنني أشعر بفرح غامض، في كل مرة أجلس وأتأمل تلك الصور، ربما هو لأنك موجود الآن وتنظر إلى صور أقسى الأوقات، ما يعني أنك تجاوزت، وانتصرت والدليل أنك موجود. الصورة: وثيقة فرح، بفعل التخطي والتجاوز الزمني، حتى لو كانت مكتوبة بالألم.
بينما ترى ربيعة شما (مصممة غرافيك) أن الصورة كانت ولا زالت تؤرشف لحالات عصية عن فهمنا لها لاحقاً، صور تسأل نفسك من أنا؟؟ من هؤلاء؟؟ لماذا كنت حزينة؟؟ لماذا كنت سعيدة هي أرشيف حياة كاملة، تقول: «ابتسامة توثق لغز اللحظة الغائبة وأخرى توثق ذلك الحزن الطافح من العيون، هو ألبوم الفرح والحزن والدهشة والمشوار الطويل، أعود لألبومي من فترة لأخرى تفرحني كثيراً بعض الصور، أصدقاء قدامى ربما لم نعد نلتقي، أخوتي أهلي، أقول كانت لحظات جميلة لا تنسى حب، فرح، طيش صور طفلي الجميلة الساحرة بحركات غريبة تشعرني بتدفق سيل من الحياة من عينيه لحظات من السحر والحياة». بينما تعتقد أن الحاضر المتقدم على زمن الأمل، غائماً وقاتماً، تقول: «صوري الحديثة الآن تشعرني برعب حقيقي، أقول لنفسي كبرت أين تلك العيون التي كانت ترقص فرحاً.. صورة أمي التي ماتت من فترة تشعرني بغصة لا تنتهي وأشعر أن الحياة توقفت فأعود لصوري القديمة وأبدأ من جديد رحلة الفرح والألق الجميل».
أخيراً
ربما هو الزمن الأكثر تأثيراً في تفسير آثار الصورة، نعم إنك عبرت في هذا المكان في ذلك الوقت على تلك الأوراق الزمنية، مررت، ولم يعد بإمكانك الخطو أكثر نحو الوراء، أنت تزداد قوة بالتجاوز، وتزداد صمتاً بالتأمل، الصورة أمل، نعم هي كذلك، الصورة عاطفة خاصة نبرمج حواسنا حسب قوتها العفوية الصادقة المرتبطة بالحدث والأشخاص والذاكرة.
الكاتب : عمر الشيخ / رقم العدد : 565
النهضة
