أرشيف
هل تحتفظ بخبر نشر في جريدة ما عن اكتشاف أثري أو حدث تاريخي مهم؟ هل لديك صورة قديمة لجسر فكتوريا قبل إزالته؟ هل تعلم أن نهر بردى كان منذ مئة سنة يشق مدينة دمشق بمخطط جمالي أسطوري؟ ماذا تتذكر من مدينة معرض دمشق الدولي القديمة، هل لديك صورة أو فيديو حول ذاك المكان الآسر؟
كلما ادخرت الذكريات من أفق المخيلة أصبح للفراغ توقيت ليحضرها، مرارات، وحكايات للسكر والتين، واللحظة الحلوة، في أحلام العبث بالأوراق، خبأنا ما يمكن أن يترك لنا سعادة مستمرة، ومشينا نحو الأسرار لنخبئ ما يمكن أن نطالعه في أوقات الذاكرة، ومهما تغير مفهوم الاحتفاظ، والحفاظ على الأشياء الثمينة، سيأتي يوم ونحتاج هذا الأرشيف من الحكايات، فما الذي نؤرشفه الآن؟
زحام لباصات «السكانيا»، وعودة مرتبكة للموظفين، عاشقان يجلسان تحت شمس تشرين الخريفية قرب درج سيريتل في الميدان، وقطة صغيرة تعبر شارع العابد باتجاه البرلمان، فلا رواد مقهى الروضة يعنيهم أمر فقدانها لأمها، ولا سائق التكسي يمكن أن يتبرع بقليل من الليرات (فوق العداد) ليكون مساهماً تنموياً في عملية التوحد الاجتماعي..
ألم نقل إنه عبث..! إذاً دعونا نؤرشف الخطوة الأولى للطفل في براعم ربيعه المبكر، هل نسجل مكالمة هاتفية للحبيبة قبل الرحيل، أم نلتقط لها صورة وهي تقف قرب الصراف الآلي لتسحب كل أحزاننا وتشتري لنا به عملة صعبة من الضحك..! لا تبحث كثيراً عن الصوت أو المشهد، فهذا العقل مركب للحنين والأمل، رغم يقيني أن الحنين مجرد وهم، لكن أرشيف العاطفة يعرش بسهولة إلى روحي ويتركني أسير ثوانٍ مضحكة أختمها بكلمة (هيك الحياة) صور ولحظات وأصوات، العابرون لا يناسبونني شخصياً، والنص العابر لا يتواطأ مع الذكريات، جدلية مقيتة هي تلك التركيبة، في النهاية، أعود لمهنتي كحطاب للذكريات فأحرق كل شيء لأبدأ من جديد… ألم أقل (هيك الحياة)..!
لم يعد المنديل ذاكرة ولا الرسائل ولا حتى لحظة الرجوع إلى شيء، ربما يكتفي الهاتف الجوال بالتقاط صورة بسيطة، تحمل في آنيتها حساسية الأرشيف، ودون أن تدري، تكتشف أن هذا الشعور ليس أكثر من رغبة بديمومة السعادة!!
زوايا
«الزاوية الحريصة على عيني تدور بهدوء حولي وتفتح الضوء بمسكب من الشهوات، لا تتأخري يا قطتي فالوقت ليس وقتاً من دون أنفاسك، الوقت مجرد عدم حين تغيبين…» لم يكتب لها ذلك على الحائط الخاص بها على (فيس بوك) فهما ليسا صديقين، كانوا عشاقاً في تمثيليات أخرى، وكانوا أنداداً في صور بعضهم، لا العيون تعترف بالحنين، ولا اللمسات تضمن عودة شيء..
الزوايا لا تمشي على اليدين، بل تحتضن الأجساد المنتشية، وفي أفكارها لا يعمل العقل، وحين تمر في قصيدة لشاعر مغمور تصبح شبهة الشهرة على عتبات خجلة، فيلتحق بالزوايا ويمسح كل شيء ليركن في قلبها، في قلب الزوايا تماماً، هنالك زوايا تركت حدائقها وفتحت في ذكريات الناس بوابة للحظات لم تعد تتشكل، للحظات فقدت هويتها للحظات اسمها الطمأنينة..
بالقرب من زاوية الطاولة تحت جهاز التلفزيون تركت حقيبته مفتوحةً لتتناول منها سيجارة وتشعلها من مدفأة أصابعه، وأمام زاوية السرير لم تنتظر الشهوة ذروتها، فاتقدت الأذرع لتسند نبض الجسدين خطوةً خطوة..
الزوايا لا تحب الصوت، هي سلسلة الحركات المضحكة، والتفات الصمت الموسيقي الراقص، هي مسند الأنثى بعد موجة القبل، وهي لهاث الذكر في رغبة التوحد..
الزوايا منفرجة، حادة، قائمة، دورة كاملة، الزوايا أعجزت الرياضيات، يفهمها الحب، وتتقنها الرغبة..
الزوايا تركت للتاريخ مهمة التدوين، وفرشت للعشاق ديكورات متغيرة للعبة التملك، لا تعنيها قطع الذهب في أوج بريقها، تؤمن باللحظة وغرقها، وترسم إشارة الورود فوق الشفاه الباسمة…
الزوايا سهلة، لا تحتاج لكيمياء البشر، ويسعدها أن يمر العصفور من شمسها حتى تخبرها كيف تبكي النسمات في غيابه..
الزوايا لا تترك أماكنها ولن تعرف للشر لغة… ترى هل تعرفون ما هي زواياكم أيها السادة؟
amrlood@gmail.com
الكاتب : عمر الشيخ / رقم العدد : 564
النهضة
