كثيراً ما تلفت الطفل أشكال أسماك القرش على شاشة التلفزيون، وأحياناً يستغرب من منظر الهرة وهي تتسكع قربه في الشارع، فيسأل الطفل والدته أو والده عن ماهية هذا الكائن؟ يُستغل هذا الجهل بإخافة الطفل لتلبية أوامر النوم الباكر والطعام والنظافة والتزام الهدوء، ويبقى لدى الطفل جانب من الأسئلة الكبيرة، عن شاشة التلفزيون وما تعرضه محطات الخيال العلمي والوثائقية والأنميشين، عن وجود كائنات أخرى غير عائلته وجيرانه على هذه الأرض، فمرة يثيره تحليق العصافير والحمام في السماء فيفكر بالطيران، ومرة تعجبه هيبة البندقية وما تفعله فيصنع من الخشب عنفه ويطلقه على كل من يخالفه!
عندما يتابع الأب مباراة لكرة القدم، ويشغل وقته بالأركيلة والصراخ على الأبناء بالصمت، تنتقل هذه الطباع بثقافتها المجتمعية والأبوية إلى الأبناء بسرعة كبيرة، وتتجذر في مخيلتهم وذاكرتهم، بأن السلطة والقوة هي في الصراخ، والهيبة تتمركز بانتصاب الأركيلة وسط الصالون أمام مقعد الأب، لا تخلو أفكار الطفل من ساعات الحفظ المستمر لأقرب الناس إليه، فهو يحلل كما يرى، إذ ترتبط حرية من يعرفه في محيطه بقدر ما يجد الهدوء والطمأنينة والراحة مع ذويه، وهذا ما يمكن أن نشاهده عند بعض الأطفال الذين تعودوا على وجود الكتب وحالة القراءة في المنزل، بدل أن يجلس الطفل ويقلد والده في أفعال التربية الهمجية، يحاول أن يسأله ماذا تعني الجريدة، وماذا يعني الكلام، ومن اخترع الكتب، ولماذا يقرأ؟ فتتكون ثقافة الوعي والاطلاع الذكية ليبني الطفل عالمه الخاص، محاولاً لفت أنظار الآخرين له، فيبدأ بتعلم مسك القلم، وعد الأرقام، وكشف الألوان، يتعرف على الدفتر وعلى القلم، ويحرص على أن يقدم ما يتجاوز هذا الكتاب الذي يشغل والده طوال اليوم عنه.
يتأثر الطفل بأبناء جيله من الأطفال، هنالك أطفال ينزلون إلى الشارع ليتعرفوا على أناس جدد، وليلعبوا مع غرباء غير أهلهم، فتنشأ عوامل التحدي بالحضور، والقوة، والسيطرة على مجريات اللقاءات السريعة التي قد تحدث بين مجموعة من الأطفال، لا أحد يعرف ما الذي يخطر بذهن الطفل حين يشاهد مخلوقاً بحجمه، وماذا سيتذكر من كلام يمكن أن يبدأ به للتقرب من هذا الآخر، كل ذلك تصنعه ثقافة البيت والتلفزيون وثقافة الأم قبل كل شيء..
ولكن السؤال الأهم هنا، هل تقوم مخيلة الطفل ببناء عالمها على قواعد خرافية؟ بالتأكيد لا، فهو يفكر بالحجم الذي يشعر فيه بمنطقية الأشياء وردود الأفعال التي اعتاد عليها، لذا فهو يرى أن القوة أساس القيام بأي شيء، فرض القوة على الأهل بالتودد أو بالصراخ والبكاء، أو ربما بالدبلوماسية الطفولية -وهذا ما يندر- ينفذ الطفل ما يريد إلى حد ما، إلا أنه لا يمتلك تلك القوة في الدفاع عن نفسه، إذ إنه تعوّد أن يحترم ويستمع إلى ما يقوله والداه أو مربّوه، وهكذا يتقلص هامش العدائية إلى الضمور ويصبح الطفل خائفاً من تعرض أي طفل آخر له بالصراخ أو بالضرب، وثقافة القوة هنا لا تتعلق بالذكاء بقدر ما تبنيها التربية، والطفل الذي لا يرد الضربة لمعتديه هو الأكثر شجاعة وقدرة على التفكير، يستشير والده أو قد يحاول رد الطفل الضارب عنه لكنه نادراً ما يرد بالمثل، إذ إنه لم يعتد على الحديث بلغة أفعال الضرب الجسيمة..
اليوم إذ يشاهد الطفل كل ما يحدث حوله تترسخ لديه أسئلة كبرى عن الثقافة التربوية الجديدة التي ستبنيه، وتتراجع هيبة الأهل أمام سلطة الصورة، وكلما ارتفع رصيد الذاكرة لديه تزايدت أسئلته، مثلاً حين يرى سمك القرش بأسنانه الحادة يهاجم أسماكاً صغيرة يتبادر لذهنه سؤال عن الطريقة التي يعتني بها السمك بأسنانه، لا عن سبب أكل القرش للأسماك الأصغر منه..!
هنالك أحجية عن تركيبة الطفل السرية للذاكرة، أعتقد بأنها أخطر الأحاجي، ولن تتعرف بعد عقولنا عليها بشكل مناسب لتقوم بتصحيح ما يمكن تصحيحه من ملامح شخصية هذا الطفل ربما نستدرك فداحة الأمر في المستقبل من جيل يشهد مرحلة تاريخية كبرى..
amrlood@gmail.com
الكاتب : عمر الشيخ / رقم العدد : 563
النهضة
