عندما تلاطف كتاباً بعيداً عن الشاشة المقيتة للأخبار، وتنهمر تحت كلماته وخفاياه متسولاً اللغة والفكرة والحكايات، فأنت تصنع مع ذاكرتك وقتاً حقيقياً للمعرفة، في الوقت ذاته تقيم صداقة جديدة مع كائن مفيد، دون أن يستهلك منك مجهوداً عصبياً أو اجتماعياً أو بروتوكولياً معيناً، لا تدون شعارات على حائط عزلتك، حتى لا تنزل عليك حبات الرذاذ من نافورة آلامك.. في حين تتلمس الكتاب لتغرق، دقق جيد بمساحة الضوء الذي ستحتله روحك، ثمة لأن الكلمات ستغير دمك من جديد، وستتنفس هدوءك على ضفاف ذاتك، لتناديك كل التفاصيل: أنت تعرف.. إذاً أنت موجود..
هكذا فعلت تماماً، وكتبت للمعشوقة الجديدة: «سأكون مستعد لك يا حبيبتي الجديدة، سأكون في كامل عتادي العصبي، سأكون مرناً حد الميوعة والانتظار، سأكون يا حبيبتي الجديدة.. سأكون عاشقك الأحلى، سأكون لك وحدك أيتها القراءة..» لم أسمع الصدى كنت أسافر وأركض بكل بريتي على هذه القصائد وبين تلك الروايات وقرب ذاك النقد وعند هذه الترجمة، كنت وحيداً جداً، لكني اكتشفت أنه كلما استغرق الإنسان بماهية عدمه، تعرف على مكونات الفراغ أكثر، وأصبحت حقيبة ذكرياته بلا أقفال، وتحولت اللغة بين عينيه إلى احتمالات لا تنتهي من المتعة واللاستقرار.
كانت وحشتي إذاً..! مع هذا الهواء الأصفر الذي غطى مدينة دمشق بكامل أحزانها، وقرب بحيرة ساحة الأمويين التي قطفت من قهره قليلاً ليومياتي، وعلى الأرصفة الفرعية لأوتستراد المزة، حيث تحدثت سابقاً عن وهم الحب مع صبية عشقتها في اليوم التالي، هناك كنت أوزع ذاكرتي كنصب تذكاري لأصحابها من أصدقاء وأحبة حاضرين وغائبين.. لم أكمل المسير إلى باقي الجهات، وظلت أحجية تخليص نفسي من كل الناس هي ما يشغل ذهني..! سألت نفسي: أعدائية بسيطة هي تلك؟ لم أسمع جواباً.. مني! فغمرت غرفتي بحضور طويل لساعات وأيام، حتى سلمت كل أسلحة الكآبة والانطوائية لعناصر الوحشة المنتشرة في روحي وتفاصيل ثيابي وسراديب مكتبتي.
إلى الآن لم تنزل الوحشة من على شمس النهار، وبقيت في أعصاب الضباب وعلى زوايا الصور القديمة والجديدة، بقيت في ثقة الحزن وعلى نقوش بوابة الأمل، مشطت شعرها بماء الغواية وتركت لنا دهراً لتنشق عطرها في كل لحظة تكتشفنا بها في حضرتها، تحت هذه الصفحة أو خلف تلك الأمسية القديمة قرب طاولات مقهى سوليدر في شارع 29 أيار، لقد كانت الوحشة الآمر الناهي في ثقافة الاكتشاف، كلما أوغلت في وحدك أيقنت أن المعرفة بحاجة لأن تكون وحدك دائماً.. تظاهرتُ بالهدوء، ورضخت لهذه الوحشة السلمية، لم أستخدم سلة المحذوفات لأضع بها من لا أفهمه ويفهمني، إنما حذفت بشاعتي من قلبي، ووضعت أقنعتي في علبة كبريت ثم منحتها الدفء والعصيان، لم أعد أي أحد، صرت عارياً من كذبي، وكلما أدركت أن العزلة دواء كل شيء.. زرعت للشر شوكة في حلق الزمن، لم تكن الوحشة مؤذية إطلاقاً، احتفلنا معاً، وغنينا: «ها افتح الغطاء عن علبة الساكي لتفوح من فمها رائحة طوكيو… وشهوة السفر.. وبطن الشمس المشدودة يبدو مضحكاً دون ثياب.. هناك في عمق الرائحة صورة أخرى لهراوات تجبر الملح أن يغدق عيني» وترد علي أغطيتي ومرآتي: «ضائعة هي حقائقي وأكاذيبي… ضائع أنا وضائعة بي الأزمنة والكائنات..».
من جديد على عتبات القراءة إلى جانب الذات، يخطر في البال شكل جديد لديكور الحياة، ولألوان الطبيعة التي نمشي ضمن نطاقها الجمالي، لسنا ملزمين بكل هذا القبح والعنف الذي يصدرها لنا الظلام. في هذه الوقفة مع الذات السريعة نسلم للكلمات دروبنا، ونطالع في التاريخ والحاضر والموسيقا والأدب عمّا يعجبنا من زحام هذا الكون وتلك الكائنات والأشياء التي تولد كل يوم..!
الكاتب : عمر الشيخ / رقم العدد : 561
النهضة
فوائد الوحشة!!
0
