عمر الشيخ
«العملي المسائي للرجال…» لقد كتبها أحد طلاب الثانوية الصناعية الأولى بدمشق أيام الدراسة، لم أكن أفهم لماذا كانت الدراسة المهنية ذات سمعة مشبوهة؟ ولماذا كان أصحاب الدرجات المتوسطة في الشهادة الإعدادية يقذفون إلى المدارس الثانوية المهنية من فنون إلى تجارة إلى صناعة… مع العلم أن الدراسة المهنية على وجه الخصوص تتطلب موهبة مرنة في الرياضيات العقلية، وقدرة بالغة الدقة على حفظ تعليمات الآلات البرمجية سواء في برمجة المعالجات أو الاتصالات اللاسلكية ومعادلات تطور البناء الثنائي للعوازل والنواقل، حيث قضينا فترة دراسة الثانوية والمعهد لنلم بجزء بسيط مما توصلت له اكتشافات التكنولوجية، ورغم أن بعض المناهج تعود إلى ما قبل ثلاثين عاماً للوراء، لكنها لازالت تستخدم بكثرة، أمّا معظم طلاب الثانوية العامة (البصيمة) ربما لا يستطيعون الابتكار أو الإضافة أو حتى جعل أفكارهم تتعايش مع الجانب الديناميكي للحياة، مع ذلك تجد المجتمع يرفع رأسه بطلاب العلمي أيام الثانوي وحتى الآن.. ولكن السؤال: هل ستساهم تلك البهورة في تقدم الجانب المهني أو العملي أو حتى الفكري لتلك الطبقة الشفافة من المجتمع؟ وهل يبقى طالب الصناعة طوال عمره (مكسور الخاطر) ونكرة؟ لا أدري لماذا في كل بلدان العالم تعطى منحة الدراسة المهنية والصناعية للطلاب المتفوقين في المراحل الإعدادية، إلا عندنا نجد العكس..!
قد ترتبط لعنة التنظير بطلاب الدراسة النظرية التي من شأنها أن تؤجل تجربة الطلب إلى مراحل متقدمة قليلاً بالعمر، أي ربما يصل الشاب إلى التاسعة عشرة وهو لا يعرف مثلاً ما هي إشارة مكبرات الألوان الثلاث في مدفع التلفزيون الخلفي، أو كيف نبرمج كتلة تحكم آلي عبر برنامج خوارزمية معينة، أو كيف تعمل الجريدة الضوئية في الشوارع أو ما هي الركائز الأساسية في علم الميكانيك.. وغيرها من الخطوات الأولى التي يتقنها الطالب منذ المرحلة الثانوية ليصل إلى المرحلة الجامعية في كلية (الهندسة الميكانيكية والكهربائية) ويصدم أن أولوية الإكمال في هذه المرحلة هي لطلاب العلمي وليست له هو المتخرج من المعهد أو الثانوية المهنية وقد قطع شوطاً لا بأس به في مهنته قبل أن يدخل إلى علوم الرياضيات بالأجزاء الخمسة وعلوم الفيزياء بالأجزاء الثلاثة ومخابر الكتل العملية في مجال الصناعة، أو قبل أن يدخل إلى علم الإحصاء والمحاسبة وإدارة الأعمال في كلية التجارة بعد أن ينهي دراسة الثانوية والمعهد التجاري.. وهكذا دواليك، فكل الاختصاصات هي من حق طلاب العلمي وتبقى الخبرة جانباً، إذاً يمكننا أن نؤكد أن الخبرة دائماً لا تعني القانون التعليمي فيجب على الطالب أن يدرس تلك المواد المصبوبة بثقلها المعرفي والجامد ليختار على تيسير اللـه وحسب علاماته لا كما يحب هو ويتمنى ويتقن..
على درج الثانوية منذ ست سنوات تماماً في حين كنا نطالع في معادلات الكيمياء للصف الثالث الثانوي تقنيات إلكترونية، كنا نفكر إلى أين مصيرنا سيقودنا بعد هذه السنة.؟ كنا نحلم بأن يفتح كل واحد منا محلاً للصيانة، وآخرون فكروا بالسفر وغيرهم فكر بالتكملة الدراسية العليا.. لم يحقق أحد حلمه وبقي درج الثانوية شاهد عيان على ذاك النقاش المرير الذي يعيشه كل يوم طالب الصناعة، فمعظم من تجدونهم في محالات الصيانة الإلكترونية أو شركات تصنيع التلفزيونات والفيديوهات هم أبناء الثانوية الصناعية أو المعهد المتوسط، وهم من تعلموا باكراً كيف يحبون مهنتهم لأنهم يتلقفونها بمثابة حرفة فنية ممتعة، معظم من في الثانويات الصناعية الآن جاؤوا مجبرين وسيخرجون مشوهين إلى الحياة العملية فقد كي يحصلوا على شهادة خبرة ربما بنقودهم.. لكنهم لم يأتوا لحب العمل بعيداً عن رؤية المجتمع لطالب الصناعة كإشارة تعجب..
الخبرة وحتى لو كانت بدراسة متوسطة في سورية تصنع خامة مهنية مقنعة وبقدرتها أن تبدع وتعمل لصالح الناس وتلبية حاجياتهم حسب التخصص، ولكن تلك الدراسة المثقلة في تلك الجامعات التخصصية باتت بحاجة إلى إعادة نظر منهجي في بنائها الكلي، فبقدر ما تزداد الثقافة المهنية الواقعية بقدر ما تلغي الجانب النظري الهائل الذي تطفح به جامعتنا التخصصية تلك التي تهتم بالمهن الفنية تحديداً..

Omaralshaikh-sam@hotmail.com
