عمر الشيخ
بخفة وذكاء خاض المذيع والإعلامي المخضرم عبد المعين عبد المجيد تجربة ذاك البرنامج العفوي على شاشة التلفزيون العربي السوري- قناة البرنامج العام، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، متجاوزاً رتابة الحضور الإعلامي لكاميرا التلفزيون وجولتها في الشوارع بين رهبة وقوف العابرين أمام عدستها وبين قدرة المذيع على جذب الجميع إليه، سجل الأستاذ عبد المعين مئات الحلقات التي زخر بها أرشيف التلفزيون، بصدقها وبساطتها التي تعبّر عن خفايا مذهلة في حياة السوريين، حلقات بلا مونتاج منها لرجل يتحدث عن غيرة الرجال منه لذلك سيكتفي بمعجباته وسيقضي على الرجال بكتابه الاجتماعي الذي كرسه بعنوان (كيف تعيش سعيداً) تأليف أبو العز ليشغلهم بالزواج ويبقى أميراً هو على النساء، وحلقة أخرى مع مجموعة من الأطفال في محافظة طرطوس، حيث العيون الملونة الطفولية الجميلة تحمل أسرار السحر منذ عقود مضت..
لم أكن أتصور أني سأجذب يوماً ما إلى الصحافة، لألمح عبد المعين عبد المجيد وجهاً لوجه، هذا يعني أنني سأظهر على الشاشة أمام مئات ألوف البشر، يا لها من معجزة، ولكن حين صدف واجتمعت مع الأستاذ عبد المعين بعد دخولي إلى مبنى التلفزيون كفرد من أسرته وجدته تماماً كما هو منذ وعيت على الدنيا وهو كذلك، لطيف نقي حقيقي مهني يقربك إلى هموم الصمت من خلال أسئلته العفوية، لم يختلف أمامي أنا الطفل منذ زمن والصحفي الآن، لم يختلف شخص هذا المذيع المحترف، لا أدري حقيقة ما الذي شدني لأخصص هذه الإطلالة للحديث عن التلفزيون والناس، إلا أن فريق العمل الذي نزل إلى الشارع واقترب من الناس بصدق استطاع أن يكسب ثقتهم ويسامرهم خجلهم وأشياءهم الجميلة.
لم ينتمِ معدّ ومقدم البرنامج إلى مدرسة أحد، فقد اكتفى بالاستماع للآخرين من داخل وخارج المهنة، قاموس أسئلته لم يحمل ثقل البلاغة التركيبية في الصيغة والمعنى وأسلوب التواصل، إنما جاء سلساً واضحاً لا ينتظر إجابات مثالية وبروفات تصوير. في كل فصول السنة يحمل عبد المعين عبد المجيد مايكرفون التلفزيون السوري إلى جانب كاميراته ليلتقي الناس في مهنهم على اختلاف ضجيجها وأهميتها في الحدائق، على الأرصفة، في بيوت العابرين، رفيق احترف المودة ومشاركة الآخرين همومهم من خلال الكلمات.
أثبت برنامج التلفزيون والناس قدرته على الاستمرار والتطور والاقتراب من لحظات الأسرة أو الوحدة التي يعيشها بعض الناس، وقليلة جداً هي البرامج التي تبثها شاشة التلفزيون وتلمس الناس دون مجاملات أو مقدمات وبكل وضوح وصدق، إلا إذا استثنينا بعض البرامج الخدمية، فإن خريطة البرامج التي تسلط الضوء على حياة الناس اليومية وهمومهم وأحلامهم والصعوبات التي يواجهونها تكاد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ذاك الأمل الذي يأتي من كلمة أو همسة استطاع برنامج التلفزيون والناس مقاربته بشكل أو بآخر.
وبعد هذه السنوات هل حافظت الصبغة الفكرية لهذه التجربة على لونها وشكلها وروحها؟ في حقيقة الأمر ما يملى على هذا السؤال من أجوبة لا يمكن حصره فيما يتعلق بكبر سن المذيع مثلاً، بل إلى تكوين النهج البرامجي لتوجهات التلفزيون بتجريب برنامج مثيل أو بنفس الثقل والحيوية التي كان يتمتع بها برنامج تلفزيون والناس.
الآن تلعب التشكيلة الثنائية في تقديم بعض البرامج التي تعرض هنا وهناك دوراً رئيسياً في تحريك رأي المشاهد وتخلصه من منطق التلقين الذي اعتاد عليه، كيف وكلما كان الشريك الآخر هو الناس كلما أصبحت الظاهرة مشوقة للكشف أكثر، ففي هذه المحاولات يصادف كاميرا التلفزيون نماذج طريفة من المجتمع وأخرى في الظل من المبدعين.
التلفزيون والناس.. يحاول في كل مرة أن يصنع من الحالات الراهنة هامشاً خاصاً بينه وبين الآخرين في الشارع، ولكن ربما هو خارج هذا المنظور بعيداً عن اللحظة الراهنة، هل اختفى الناس الحقيقيون أم أصبحت كاميرا التلفزيون خجولة من وجوه المارة..؟
