
لا يكترث القارئ عادةً بمهنة الشاعر في الحياة اليومية، المهم بالنسبة اليه أن يجد ما يعنيه ويعجبه، ولكن ماذا تكون عليه الحال إزاء الطبيب والشاعر السوري محمد فؤاد في مجموعته “أجزاء الحيوان” الصادرة حديثاً عن “دار التكوين” في دمشق؟
الكتاب تجريب شعري يخلص إلى الذاتية المباحة في الطب، بإسقاط أدوات المهنة وتعابيرها وخلاصتها البصرية ودلالاتها العلمية إلى حيث تصوغ السردية طريقها في بناء نثري يقوم على المحاكاة والاصطياد في لعبة لغوية لا تخلو من اللهو والتدوين عبر مخيلة مختلفة يراها الشاعر بيئته الخصبة.
يفتش الكاتب عن ذاته في ترتيب الأعضاء الداخلية لجسد الإنسان، متخذاً من بنائها التنظيري قاموساً بسيطاً ليحوك جمله الشعرية، على أن تأتي تلك الأعضاء بمثابة عناوين صريحة لقصائد المجموعة. نقرأ فيها ما يشبه التعريف الشعري بكائنات تقوم حياتنا على سلامتها ولا نطالعها إلا في كتب الطب ووصفات التشريح، أمّا هنا فنتلمسها كضوء الشمس بحرارة ومرح.
في حين يصبح الطحال كمطبخ للأسرار والأنانية، يراه الشاعر ناسجاً لكمائن الكبد، ومقبرةً للدم، يُصدر الحياة المتجددة للسائل الأحمر الذي ينقل وظائف الجسد إلى أمكنتها السرية. لا يفكر الطحال في طريقة لقتل نفسه فهو مغمورٌ بالدم وداكن في صمته: “فكّر بالكبد/ شبيهك الداكن/ فكّر ما الذي يعنيه أن تكون مستوحداً” (ص15). هنا يقارب الطبيب الشاعر جزءين أساسيين في جسد الإنسان، كل منهما بحاجة الآخر، لكن الطحال يستنفد غذاء الجسد ولا يصاب كثيراً بالأمراض كما يحدث في الكبد عدوّ الكحول اللدود.
تأتي بعض القصائد كدلالة شعرية عن الحرية على رغم ارتباطها العنيف بمفهوم الحركة الواحدة، والفهم الواحد، ويعمل الشاعر على ابتكار تعابير الخفة الهوائية من أمنيات الطيران، لعله يطير في المنام ويخرج من تلك التلاحمات البشرية التي تخلق في أجزاء الإنسان. مرة يتمنى أن يكون الريش وأخرى ينتظر التوحد مع ثقل الهواء. تلك هي هوية عظم الترقوة، حيث “لا منفذ لي إلا أحلامي/ أن أكون الريش/ الذي على حافة الهواء/ في الزرقة الواسعة/ للسماء الواسعة/ سوى أني مربوط بسواي/ عظم مربوط بسواي/ وجاهز للكسر” (ص18). تتلاحق الدهشة في تعريفات محمد فؤاد للأجزاء الحساسة داخل جسم الإنسان، حيث تشتد أنانيتها إلى أن تسلخ عنها طباع الإنسانية، وتبقى أناة التمرد حاضرة ومعزولة عن تحولات العالم الخارجي. تلك الأجزاء لا يعنيها ما يحدث في عائلة السيد الكبير، المنتشرة بنسخ جغرافية مختلفة الجنسية واللغة في بقاع الأرض، حيث يندلق الدم غزيراً في روزنامة ممحية لتاريخ الإنسان الطليق: “والسيد الذي تولى الأمر/ عاد بأولاده على رأس الحكم/ وهكذا تعاقبت علينا السنون/ وسئمنا من الوراثة/ حلمنا بأننا ارتحنا من الناس وبقينا في الصور” (ص 22). ربما هي الصور الشعاعية التي تشكرها أجزاء الإنسان لأنها لم تر عقود التاريخ الرمادية التي عاشها الناس على هذه الأرض وهم معصوبو القلوب والفكر والتنفس.
يلجأ محمد فؤاد إلى ومضات لا تخلو من الحكمة في قاموس الجسد الداخلي، فنحن أمام جلسة شعرية في حضرة الأجزاء التي لا تتكلم عادة عن نفسها إلا في حضور شاعرها. هنا يبرز العنصر السائل الأكثر أهمية تحت الجلد وهو الدم، يقدم نفسه في حالتين احداهما تعبّر عن الألم وهي مخاض الأنثى في المراهقة، والثانية هي إدخال الشعراء مفهوم الفداء على حالات غرامهم وانكسارهم وحزنهم وفرحهم وانتحارهم. يسخر الدم من تواضع حجمه وضجيجه، على رغم أن الكائنات كلها تعيش لراحته وديمومة جريانه: “أضحك لأنني في المصل والصفيحات/ أغذي أمة بأكملها. يرثي الدم نفسه في مكان آخر حين يعتقل ويموت من العطش خارج أجساد البشر: “مهدور على المحارم والأعلام/ ضحكوا عليّ/ فصرت في الثورات” (ص25).
في الجمجمة يختفي الرعب وراء عضلات الوجه المبتسمة، ويكسو الشعر الأنيق فصوص الدماغ المعقدة، وتنتصب الأذنان يميناً ويساراً فلا تصلحان بيتاً للغراب. ولولا العيون لصار المشهد عجينة فخار للموت. الجمجمة تعرف أنها مختبئة في أعلى الجسد وأنها مركز التوازن، لكن حين تيأس منها الروح تظهر كأنها تضحك: “لا تظن أن الجمجمة تضحك/ لو رأيت الأسنان/ وعظم اللثة/ هي هكذا لأن الروح/ من زمن طويل/ في مركبها الزجاجي عبرت إلى الضفة الأخرى” (ص50). في اللحظة الأخيرة قبل أن يبدأ الموت بتحرير تلك الأجزاء، يختار الشاعر أعضاء يحررها من جسد الإنسان، لتتمرد بطباع حيوانات برية. هذا ما يصوره محمد فؤاد بين قصيدتي “الحيوان 1” و”الحيوان 2″، الأولى في بداية الديوان والثانية في الخاتمة، كأنه يقدم بلاغاً نهائياً عن مغادرة تلك الأجزاء إلى حياة جديدة تشبهها: “يشتد عليك الألم وتسقط أعضاؤك تباعاً لكن بطنك ينتفخ وتقول إنك ستبعجه بالدبوس وتطير كالبالون” (ص 65). ها هنا يعترف الشاعر، وربما الطبيب، بأفعاله الصادقة حيال الموت أو الراحة: “أنا أيضاً ساعدت الكثيرين على الموت أوصلتهم بيدي إلى حافة الصندوق ورميت المفتاح بالجب” (ص 66). لكنه يلوح في آخر أحلامه التي على شكل قصائد، بأنه يمزح ويمنح الخيط الطبي للقارئ ليرتق خوفه وهو يضحك من ثقل المزاح القاتل: “فيما تفكر بالخيط الذي سترتق به الثقب المفتوح بين الحياة والموت، بين البطن المبعوج كعين عوراء والمنفاخ الذي يصعد ويهبط كرئة، يتجول الزائر الغامض في الغرفة الباردة وهو ينظر إلى حجر الدومينو الأخير يستقر على الأرض”.
عمر الشيخ
النهار اللبنانية
الاثنين 27 -6-2011
العدد 24431
