دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الخميس 23 نيسان 2009
عمر الشيخ
اختتمت مساء الأربعاء الماضي في مدينة الرقة فعاليات مهرجان الشعر العربي الخامس، التي تضمنت أمسيات شعرية، وجلسات نقدية، ومعرض كتب لدار الينابيع في دار الأسد للثقافة في الرقة.
كانت المشاركة واسعة محلياً وعربياً استقطبت أجيالاً متفاوتة بالتجربة،
ومختلفة بالحساسية الشعرية، لم تقدم أكثر القصائد ذاك الشكل الحداثي كما قيل أي (قصيدة النثر)، لأن ما سمعناه لا يبتعد عن الشعر التقليدي(العمودي والتفعيلة)، بعض القصائد كان لها وقع الدهشة والتميز لتجارب ناضجة كقصائد الشاعر البحريني قاسم حداد،التي امتازت بفرادة تشبهه وحده، على عكس ما قدمت الشاعرة السورية الشابة قمر صبري الجاسم قصائد ذات غنائية مباشرة، حملت أصوات الآخرين، وغيبت صوتها الحقيقي.
أما الشاعر السوري نزيه أبو عفش بوصفه تجربة مكرسة شعرياً، فهو أثبت تميزه، بقدرته على التقاط دهشة المستمع، والقبض على مفاتيح الإلقاء وفي كيفية توصيل الحالة، وهذا ما فقده أكثر الشعراء الجدد المشاركين.
عموماً سمعنا شعراً تفاوتت مستوياته،وأحياناً في طريقة البناء اللغوي للقصيدة، ومن الملفت حقاً في حفل الافتتاح المشهد البانورامي لقصائد شعراء كبار منهم أدونيس ومحمود درويش وسنية الصالح، رافقه قراءة متزامنة مع عزف على البزق، والأمتع من ذلك هو ذاك المشهد البصري حيث شاشة سينما متواضعة في وسط المسرح تعرض صوراً لشعراء رحلوا وخلدوا روائعهم وهم (الشاعر المصري الراحل أمل دنقل، والشاعر العراقي الراحل سركون بولص، ورائع الحداثة الراحل بدر شاكر السّياب، والشاعر اللبناني الذي مات شعراً جورج حاوي، وابن السلمية صاحب أحزان القمر الراحل محمد الماغوط )، تلك المشاهد جعلت الشعر أشهى وفعلاً هذا ما حققه أكثر الشعراء، رغم أن معظم التجارب كانت في طور النضوج وبعضها من المكرسين تماماً، إلا أنهم جميعاً بقاماتهم التي تتألق شعراً زينوا مدينة الرشيد بسحر الصور الشعرية.
جمهورٌٌ يستمع بحب، و الفرات يعزف على ذكرياته هنا الأديب الرائع الراحل عبدالسلام العجيلي يترقب تهافت العطر على أعناق الكلمات وهناك حضارة الكنعانيين تنفض الغبار عن أبجدية الورد والرخام.
من الجانب النقدي توالت على مدى أيام المهرجان جلسات النقد التي وضعت محوراً أساسياً في مناقشاتها وهو(الشعر المعاصر ومسؤولية التنوير)، حيث قرأت محاضرات نقدية بعضها يستشهد بعينات من تجارب شعرية حديثة ويحلل مجازاتها الشعرية،وبعضها تناول علم الجمال والتنوير والتبشير في الحداثة الشعرية، والبعض الآخر تكلم عن تقاطع التجارب القديمة مع النصوص المعاصرة باستخدام مفردات المكان الجغرافي المتبدل،وهكذا شهدت الجلسات نقاشات غنية وتبادل لوجهات نظر متعددة ما جعل التوسع في تلك الجلسات أمراً ملفتاً، ومحط متابعة لمكاشفة تلك الأمور التفكيكية في قضايا الشعر التنويري.
وعلى هامش المهرجان التقينا الناقد د. سعد الدين كليب، وسألناه حول انطباعه ورأيه في المهرجان و الندوات النقدية، ماذا قدمت للشعراء والشعر وهل أضافت للمتلقي وللتجارب المتلهفة للآراء النقدية ؟أجابنا د.كليب(أحياناً نجد خللاً في الربط بين الأمسيات الشعرية والندوات النقدية، وهذا يجعل المتابعين من شعراء وجمهور في حالة تراكم من التلقي والتحليل بسبب تعاقب الفعاليات، الندوات النقدية يحضرها عدد كبير نسبياً مقارنة مع بلدان أخرى،لا يمكن قطف المحصول بشكل مباشر،علينا التريث لفترة زمنية طويلة قليلاً، حتى تصبح هذه المحاضرات بتفاصيلها بين يدينا ككتب،عندها يمكننا التقييم والحكم على اختلاف الذائقة )
وعندما سألناه عن رأيه في القصائد التي ألقيت في المهرجان أجابنا د.كليب
(سمعنا في المهرجان شعراً جميلاً وكثيراً من معظم الشعراء، لكن بالمقابل سمعنا أيضاً كلاماً لا قيمة له، حتى أن بعضهم يقع بأخطاء لا يصح أن يقع بها شاعر، هناك تجارب شعرية مهمة عربياً من سورية وخارجها قد شاركت بامتياز، هذا المهرجان الأكثر فعالية على مستوى البلاد، والأهم حالياً )
الشاعر العراقي عبد الكريم الكاصد يؤكد مدى سروره لتواجده في مهرجان الرقة للشعر، ويشيد بهذا الحراك الشعري والثقافي الفعال في هذه المدينة الشبه نائية، يقول: (ما هو جميل في هذا المهرجان هو الحضور لكثير من الشعراء والتجارب المتنوعة والشابة، هذه فرص للتعرف على الجيل الجديد شعرياً.(
ويضيف: )قدمت قصائد جميلة حقاً، وأنا لا أطلب من الشعر أن يكون قمة، أو أطلب من القصائد أن تكون قمماً، يكفي أن نحضر ونستمتع بعوالم هؤلاء الشعراء ونطلع على تجاربهم ومكاشفاتهم الجديدة، ونلتقي بجمهور محب للشعر. هذا المهرجان احتفاء ناصع بالشعر والشعراء والجمهور، طبعاً هناك ذائقة مطلعة بين الجمهور وهذا ما يقدم للشعر تفاعلاً و نقاشات تطور النص وتجعل القصيدة متجددة باستمرار، وحسناً تفعل إدارة المهرجان أنها تطبع القصائد التي ألقيت والمحاضرات النقدية في مجلد يحتوي كل ما قدم في المهرجان، حتى يستطيع القارئ الإطلاع بشكل كامل وبتريث على هذه التجربة المنوعة والمهمة)
أمّا الشاعرة الأردنية مها العتوم فقد كان المهرجان فرصتها للتواصل مع الجمهور السوري الذي تقرأ أمامه للمرة الأولى،حيث ترك المهرجان لديها انطباعاً إيجابياً محفزاً سنح لها فرصة التواصل مع أصحاب أصوات مهمة وحديثة، من بلدان مختلفة مثل سورية و تركيا والبحرين وفلسطين،تقول«العتوم»(المهرجان فرصة جميلة لي كي اقرأ بين الجمهور هنا لأول مرة، قدم المهرجان في حلقات النقد الكثير من التحليلات الحقيقية، برؤية مقنعة، عبر دراسات جادة، تضيف للشاعر جوانب مهمة تزيد تماسك نصه وتجدده، وهذا يغني أكثر التجارب الجديدة، التنوير بشكل عام مفهوم متسع جداً، لا يحقق المهرجان تفسيراً محدداً ومكتملاً عن ذاك المصطلح العميق خلال أربعة أيام فقط!! هي لفته سريعة عن النقد والتنوير، نتمنى أن تصلنا تلك الدراسات بكتاب،لنستطيع الاستفادة منها بشكل حقيقي وفعال، رغم بعض التنظير الذي رفق الندوات النقدية إلا أنها كانت جيدة ومفيدة إلى حدٍ ما(
أما الشاعر السوري صقر عليشي فهو يجد جوانب إيجابية ومميزة كثيراً في هذا المهرجان، ترتكز على النظرة إلى النص الحداثي والبحث عن معايير إبداعية حقيقية، يقول «عليشي » مهرجان الرقة للشعر هو من المهرجانات العربية الجادة، رغم الإمكانيات القليلة فهو يقدم لنا سنوياً مهرجاناً غنياً فيه خيرة الشعراء الرائعين من العرب والأجانب، وما يميز هذا المهرجان أنه ينحو منحاً حداثياً، فهو يبتعد عن الشعر التقليدي العمودي، يقدم تجارب لها حضور هام، أضف إلى ذلك أن لهذا المهرجان علاقات قوية بالشعر الخارجي. العام الماضي أتى بشعراء من تركيا وألمانيا وفرنسا، وأميز ما به هو حضور نقاد مهمين وندوات مكثفة بالعمل والتقصي في عوالم الشعر وتفاعل الجمهور مع هذه الندوات شيء ملفت ومبشر بتطور الثقافة نحو الرقي أكثر
إذاً غالب الانطباعات تشيد بأداء المهرجان وفاعليته مع المتلقي، تنوع مواضيعه المطروحة شعرياً ونقدياً، و ما قدم هو محصول سوف يطبع بعد فترة في مجلد ضخم يحتوي المحاضرات النقدية و القصائد التي قُرئت، مع سير ذاتية لتجارب الشعراء، ويوزع في كل العديد من دول العالم، هذه التجربة تعد حراكاً فعالاً، في منطقة نائية كمدينة الرقة.
ثمّة ثقافة متجددة في تلك المدينة، لأن الأشخاص الحقيقيين والمحبين للثقافة هم من يقومون على تنظيم مثل تلك الفعاليات وبذل أقصى الإمكانيات لإنجاحه ، لذا تستحق مديرية الثقافة في الرقة والقائمين على المهرجان الكثير من الشكر على نشاطهم الملحوظ وعلى هذا الحدث الغني و حضوره الطيب، تحية لشعراء المهرجان وضيوفه، تحية أولاً وأخيراً للشعر صاحب الكلمة الساحرة.
