المنامات المشتهاة في « جبل الزنابق » دمشق

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الاحد 12 نيسان 2009
عمر الشيخ

ترى كيف يحلم الكتّاب« الروائيون خاصةً» في طبيعة الحال أثناء النوم ؟ وهل ما يشاهد من(منامات) يصلح أن يكون أدباً؟ أمّ هو بالأساس مجرد تخيل مؤسس على عدسة كاميرا تستخدم قوة الكلمة ، تغرقنا في لوثة كاتب مهووس باللغة؟

ولكن ما سيفاجئ قارئ كتاب(جبل الزنابق) للكاتبة السورية سمر يزبك الذي تهديه في افتتاحيتها إلى الشاعرة السورية الراحلة(دعد حداد)،فهو يتعدّى مسألة المنامات العابرة، هناك نزقُ واضح يرش ندى الحروف على طول الكتاب، ثمّة لغة خاصة صاغت مناخات تلك النصوص الأدبية الحديثة، ترتكز على ذاكرة تفاصيل صغيرة، وخليط أحلام تتفق مع هواجس الكاتبة أحياناً في أكثر تأثراتها بالأدب العالمي، (كإدواردو غاليانو في كتاب أفواه الزمن مثلاً)، بل في كل أعماله هو صاحب تلك السردات الحسية التي تعتمد التوصيف الشعري والبراعة الفنية في إقفال المقاطع القصيرة، وما اختلف هنا أنّ معظم الحكايات الجميلة هي مجرد منامات. ‏

(يمتلك جبل الزنابق) طابعاً محلياً يشبه بيئة الكاتبة، هو أقرب إلى جلسة مع الأحلام بمشاهد لغوية تقتفي ما يخفيه العقل أثناء حالة النوم، أي ما يخدّر الروح ويأخذها إلى تفاصيل بعيدة عن الطبيعة، في أكثر فطنتها هي تهويمات خيالية ستصبح فيما بعد « حكي منامات»، أي ما يشبه المونتاج الأدبي بفلاشات لحظية تناسب تعبير الومضة اللغوية.

في أكثر نصوص هذا الكتاب توثيق ليس لحالات الكاتبة في ماضٍ معين ومستقبل قادم، إنما هي رؤية حياتية لتجربة سمر يزبك مع مقتنيات الحدث في تاريخ الأنثى بشكل عام، بمعنى أدق هي تكتب باسم بنات جنسها عن مراحل قديمة وأحداث معاصرة،عناوين تحمل في طياتها جزءاًً مهماً من الفكرة مثل (تفاحة حواء ـ على قبر كزنتزاكي ـ غاليانو ـ غرفة للقراء ). ‏

وفي النص المأخوذ منه عنوان الكتاب(جبل الزنابق) تقول : (سأقول للرجل الذي يحبني : إني أريد بيتاً من مرايا . تظهر عرافة عجوز، تضحك مني، تلوح بعصاها، فتصنع مرايا عملاقة. أقف في علبة المرايا عارية. ألمح وجهي في كل مكان. تختفي العجوز ذات القناع، فأضرب بيدي على المرايا : ‏

قلت لك: أريد مرايا فقط، ولا أريد سجناً من المرايا ‏

هذا ما أنت عليه رواياتك تعج بالمرايا ( ص63) ‏

من الواضح أن هناك خطاباً ذاتياً ونقدياً مفتوحاً على احتمالات الكاتبة في رؤيتها الشخصية لكتاباتها فهي صاحبة رواية «رائحة القرفة » ورواية « صلصال»، ولكن في أماكن أخرى تحتفي بأساطير المبدعين العالميين مثل سلفادور دالي، فهي تلتقي بساعاته الذائبة وتلعب في لوحاته بما يشبه الحياة، و بعيداً عن المنطق، تقفز هنا وهناك محولةً عالم الساعات إلى أراجيح، لتنقلنا إلى مرح حقيقي وخيال مصوّر بتفاصيل شائقة، لا ينقصه إلاّ أن ندخل إلى عوالمه ونعيشه كما الواقع تماماً، في نص بعنوان (الساعات تضحك) تقول :( ساعة ضخمة تتمايل مثل ساعات دالي، لكنها تغرق في ماء ينبت من عشب طويل ذي أوراق عريضة. أتأرجح بعقارب الساعة. وأمسك بعقرب الدقائق وأقفز إلى عقرب الثواني، ثم عقرب الساعات. أحمل بيدي مفتاحاً من فضة. مفتاحاً كبيراً، يتدلى من جرس. الجرس يرن كلما قفزتُ. تهتز الساعة، وتتحول المياه إلى أمواج عاتية، فتغرق الساعة مثل سفينة في عمق المياه، ثم تطفو ثانية. تظهر ساعة صغيرة، يلحق بعضها بعضاً. أقول لها : ‏

لا أحب الساعات. سأحول ساعات العالم إلى أراجيح. لا أريد النظر على الساعة. على الزمن ألاّ يمر أمامي مباشرةً …) ص 81 ‏

تقف سمر يزبك في كتابها(جبل الزنابق) على حياد المتعة واللعب بالتكنيك المعنوي لأكثر الصور، فالحوارات قصيرة، وتركيزها الأكبر على تجسيد الحالة الصورية للمنام المتخيل، أو للمنام الذي حلمت به كما تقول، فبدائل الحالة الفنية هنا لا يمكن تغييرها، ثمة شاعرية نبضية، وأفق متسع كثيراً وأحلام مرحة وأخرى حزينة، في الذاكرة، ومن تنبئها في المستقبل، فتلك الرؤيا الأنيقة لزخم اللغة كفيل بتوصيل أكثر نصوصها إلى حالة التصوف الخيالي، بالرغم من بساطة التراكيب ودقة التفاصيل في جمع مكونات مشهد بصري حقيقي «ثيمته» الموسيقا والخيال الخصب المتفتح على ألق الكلمة الجديدة والعبارة المغرية . ‏

الكتاب : جبل الزنابق ـ نصوص ‏

المؤلفة : سمر يزبك ‏

الناشر دار المدى 2008 دمشق

أضف تعليق