الأعمال الشعرية الكاملة من الفرنسية مباشرة لـ «رينر ماريا ريلكه»

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الثلاثاء 19 كانون الثاني 2010
عمر الشيخ

يبدو الدخول إلى عالم ريلكه من لغة مختلفة عن لغته الأصلية (الألمانية) محفوفاً بالخوف جراء الإصابة بخيبة انخفاض الحرارة الشعرية الخاصة.
ولكن بعد قراءة أعماله الشعرية المكتوبة بالفرنسية مباشرةً بترجمة شاكر لعيبي الصادرة عن (دار المدى ـ دمشق- بـ470 صفحة قطع متوسط) ستكون مغامرة السقوط في وديان ريلكه الفرنسية تجربة مغرية تؤكد براعة هذا الشاعر وتنوع تجربته، بالكاد تخرج من كوكب ليخطفك نجم لاسع تسرّب للتو من عنوان قصيدة أو صرخة تصدرها أهازيج ريلكه في أعمال مدهشة يناسبها وصف مختصر و واقعي هو أن هذا الشعر من العيار الثقيل.. جمالياً وإنسانياً! ‏
أمّا في فصل آخر بعنوان «تتمات مختصرة» يأتي ريلكه على تفاصيل الموت بمداعبة وتهكم، كما لو أن أبسط كائن بشري في الأرض «الطفل» قادر على فعل الموت بغريزة بشعة: (انظر إلى سبابة الطفل وإبهامه/ هاته الكماشة الرقيقة/ التي يندهش منها حتى الخبز/ هذه اليد بالغة الطيبة/ ربما قتلت الطائر/ واقشعرت من رجفته الأخيرة) كما يستذكر ريلكه في نص آخر حادث وفاة أمه، راثياً الحياة وغرور أبيه، رغم أن صديقاته في الكنيسة رددن مواسياتٍ إياه: (إنها الحياة) فيجيبهم ريلكه بأغنية يتيمة: (لا مساء من أمسياتي/ يجلب لي شيئاً:/ حناناً يستعجلني/ حلماً، وردةً/ لا أجرؤ أن أؤمن أنها الحياة). ‏
يحضر الرسم بقوة في شعر ريلكه، لتبدو قصيدته عصيان لضربات اللون التجريدي، فهو رسام بارع بالكلمات، يجتذب التشكيل خطوة بخطوة ويفاجئنا بسكبه علب الألوان الشعري فوق قماش أرواحنا بعد إذن النشوة والصمت: (الأكذوبة، لعبة نكسرها/ حديقة نغير فيها أماكننا من أجل/ الاختفاء بطريقة فضلى:/ أو نطلق مراتٍ صرخةً/ لكي تغدو نصفين اثنين) ‏
يقدم ريلكه فرائضه الحنون إزاء فرنسا ضمن فصل يجسد أفعالاً اعتيادية كتصوير تفاصيل المتاحف والآثار و السقوط تحت وطأة النعاس وفي بلاد غير بلاده، حيث يرجو النوم المسمّى هنا الموت المؤقت أن يرعى أنثاه القابعة في داخله: (أيها النعاس العذب، لا تجعلني أحلم/ وأخلط فيَّ ضحكي وبكائي/ دعني ملتبساً لكي لا تُخْرِج حواء القابعة في داخلي/ بناريتها العدوانية من ضلعي) و قبل أن يستيقظ بلحظات يخاطب سمكة مجنحة على هيئة حصان مدخلاً حالته النفسية مع التكوين المادي لما يراه من فن العمارة في أحد قصور فرنسا في منامه، يخاطب الحصان المجنح، الحياة في تمثال رخامي فاخر، كما لو أنه حصان السماوات الخرافي مصوراً في قصيدة.! ‏
معظم شعر ريلكه الذي استعرضناه في تلك النماذج يتجه في باطنه إلى مفهوم فلسفي إنساني كما في باقي النصوص، لكنه بلا تقاليد نظرية جامدة، مادته ودلائله الشعرية مأخوذة من صلب الحياة المعيشة على الأرض تماماً، لذا برغم بُعد موطن الشاعر عن عيوننا لكنه يبدو برسمه على الشعر منتمياً إلى هواجسه بتفاصيل وأمكنة وذكريات تكفل الشاعر بأن يكون مختلفاً عن باقي مخلوقات الأرض، فعندما يتحدث عن «إيروس» يفككه كأنه شعاع شهوات عليه أن يغطي الأجساد ويأمر القلوب بأفعال الحب نجدنا انصعنا لمشيئة اللغة وبساطة العبارة: (ليكن قلبك شعاعاً وأكبر من الطبيعة/ التواقة لمزيد من الاتساع) نصوص ريلكه الفرنسية المترجمة حديثاً تقدم هذا الشاعر الألماني المؤثر في قصيدة النثر العربية كأيقونة مسجلة لمدارس شعرية عديدة في الشعر العربي، ولكن ما يميزه هنا الانتماء الحقيقي إلى التفاصيل والمكان وهذا ما يطبع الأعمال بخلاصة التجربة الفرنسية التي اعتبرها كبار نقاد العالم أنها مغامرة ريلكة الكبرى في الشعر.. ‏

أضف تعليق