دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الأربعاء 6 كانون الثاني 2010
عمر الشيخ
لم تفارق طول الموسم الحالي صورة الوجع الحياتي التي كشفت في المجتمع جوانب غائبة وحساسة، حيث اغتنم أصحاب الكار الفرصة النادرة للتوغل في بيئة.
ما دون الدخل الاقتصادي أو الوسط خلال مقاربة بصرية تسلط الضوء على خط الفقر المنتشر على أطراف المدينة ومنعطفات شبه الريف المحلي، لتظهر أمام عيوننا عبارة عن كلاكيت موحد بخصائص فنية ترصد هموم تلك الطبقات المتدنية اقتصادياً من المجتمع، فكان هناك الكثير من الثغرات المعرفية في تفسير الوجع وطرح المعالجة المنطقية المرجوة..
سوف نعبر أوائل حلقات مسلسلات البيئة المعاصرة، لنلتقط نقطة بدء التصعيد الدرامي لشخوص الأعمال ونحاول ربط الأحداث مع بعضها لإيجاد لمسة فنية في تشخيص المشهد ونقله من الواقع إلى التنكيك الدرامي المختلف والجديد، إلا أن نسبة تحقيق الرؤيا والكشف عن مخاض المشكلة كان متعثرا للغاية، حيث بدأت المسلسلات في منتصفها عند أعلى حد تصويري لنمو الشخصيات درامياً، ثم لينخفض الخط البياني للقدرة الإبداعية في إكمال خاتمة المشهد أثناء الحلقات الأخيرة، لنستنتج صورة معطوبة لرصد الهموم الحياتية وتفكيك طبيعتها الايديولوجية ومن ثم تقديمها نتاجاً بصرياً عليه أن يحقق معايير الاختلاف وبالمكاشفة الحديثة.
سرعان ما رأت كاميرا العشوائيات صداها منذ أعوام فراحت تتناسل باستهلاكية غريبة تدل على شحّ فكري لدى بعض كتاب الدراما السورية، التيمة موحدة والقصص إما أن تتداخل في طرق شائكة ومشوشة حتى تصل إلى المشاهد، أو أن تشتغل بنكهة مختصرة على قصة واحدة ترتبط بشخوص تسيطر على طاقم بطولة العمل ورسم أحداثه دون أن يتدخل أي فرد خارجي قد يغير في بنية العمل، وهذه الأخيرة باتت أثناء هذا الموسم تعيش خلخلة أدبية واضحة باستثناء مسلسلين أو ثلاثة.
لقد دخل الأكشن السوري إلى الشاشة الصغيرة وفعل تأثيره العاطفي بأصحاب الذائقة العاطفية، ليعبر فوق القيم الثقافية والحاجة المعرفية، وهكذا ازدادت طباع الأكشن بالاعتماد على تطور أحداث خيالية أحياناً تظهر كأفلمات مزورة عن الحقيقة، مختلطاً بذلك التجسيد الدرامي مع إغراء الصورة وجرعات التشويق الحركية التي تحملها.
لم يعد الحوار المجدي النابع من سوية فكرية مثقفة بمخزون غني من الاختلاف والتنوع قريباً من قريحة أصحاب الكار، فقد اختلطت القصص والقضايا الاجتماعية الحساسة كالشذوذ الجنسي بذهن المشاهد لتعبر ذلك جرأة مسجلة لمصلحة التطور الثقافي، ولكن تم تناول تلك القضايا بفجاجة مفرطة ومباشرة مكرورة كلاسيكية وشبه إنشائية، بسبب غياب الضبط السليم والمحكم للسيناريو والتقاط الفكرة، لقد ظهرت ثغرات لا تغتفر في خواتم الحلقات الأخيرة من المسلسلات لتترك المشاهد برسم الحيرة والأسئلة المغلقة.
دراما السواد بامتياز.. هكذا تسجل الأعمال السورية في رصيدها التاريخي الطويل، بلا ضحك ولا حتى أمل مبشر مضت معظم المسلسلات إلى الحلول المسدودة، وجعلت من الذائقة مستهلكاً بارعاً للكآبة والخوف، غاب الضحك واللقطات المرحة وصار الحزن سمة عامة توقع وتبصم على الرؤية التحليلية التي يعيشها المجتمع، ألسنا بحاجة إلى كمية من الضحك توازي تلك السيرنكات المركزة من التعب والتلاشي على عتبات الضعف؟ أليس من حقنا أن تكون لنا دراما ولو خيالية تبتكر طقساً جديداً للفرح والنسيان؟ أم أن حفلات التفاؤل لم تعد تخطر على بال ثقافتنا البصرية إطلاقاً؟!
إن المخيف في الأمر أن تتسلل حمى السواد النفسي للذائقة ونتحول إلى مجرد تماثيل تمارس طقوس عزائها احتفالاً بالموت؟
في الموسم القادم ربما ستختلف اللعبة قليلاً، فرهان الكوميديا قائم كثغرة مرت بوضوح هذا العام، هو محور حساس قد يلعب في تأسيسه عاملان حتميان هما: التميز والاختلاف حيث سيقومان على قابلية الناس في تلقي أعمال جديدة عن الفرح والضحك بأقل هرج ممكن وتكرار محتمل.
لن نقول: إن الهموم حرف علة ساقط في لغة الصورة، إنما الإكثار من تلك الأوجاع يفرض رؤية غير واضحة لتكريس تلك الهموم كعادة لا كقضية علينا معالجتها بأقل اقتصاد درامي ممكن وبأقصى تجسيد فني مختلف وحرفي.
دراما السواد والهموم
0
