مجموعة الجار الثامن لحكيم مرزوقي ..حوافز النسيان دمشق

صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
السبت 2 كانون الثاني 2009
عمر الشيخ

عبر عالم مملوء بالهبوب الحزين والرقص مع العزلة تقوم اللغة السردية الرشيقة بقنص الصورة الشعرية الطاغية على نصوص مجموعة «الجار الثامن» للكاتب والمسرحي التونسي حكيم مرزوقي.
الذي يملك رصيداً مهماً في المسرح السوري، وهو الآن يقدم نصوصه الشعرية الأولى كما سمّاها في مجموعة مستقلة صدرت حديثاً عن دار كنعان في دمشق، حيث يخوض مرزوقي حواريات شعرية مع الذات والأقدار والذكريات ليفشي في لمع غبار كتلاً سحرية مجسدة في لغة ذكية تذهب نحو المجاز والمفارقة الصادمة، وهكذا تبدو الدنيا بعيني مرزوقي عالماً غير مناسب للجنون وهو باسم مئات الكائنات البشرية الوحيدة ليس راضياً عن هذا الصمت (لست راضياً عن رضاي وغضبي وسكوتي/ من قال: إن السكوت علامة الرضاء؟/ ما علامة الغضب؟ لعله السكوت أو الرضاء في كل الأحوال أنا لست راضياً).


يتهكم الشاعر بطريقة لا تخلو من خفة الدم والألم في آن، ويقلب لنا صورة أحلامه المستمرة بالخلاص فهو يتمنى ألا يملك رأسه الذي طفح بالكتب والمسرحيات والأمنيات، ويتمنى لو أن غيره امتلك رأسه ليرعاه ويعتني به كما يقول : (ليت رأسي سقط سهواً في بلاد بعيدة /كي يعثر عليه أحد سواي فيربكه بواجب التغسيل والحلاقة والتفكير والسمع والبصر والصلع والشقيقة كل يوم) إن هذه المرحلة التي وصل إليها مرزوقي من الخطايا تضعنا أمام حل جنوني للأمنيات الذاتية بتغيير رأسه و اختيار العقل الذي نريده من خزانة المعجزات.. ‏
يحاول الشاعر في مجمل نصوصه العبث مع الوحشة الكبيرة التي تضعه برسم الأرصفة و أجوائها الشعرية البعيدة عن جرافة الشارع و الأحداث الرائجة في الحياة، يعيش شعراً ويموت بلا أحد وبلا أي ورثة يختصمون من أجل هواجسه وأحلامه: (يموت الشاعر فلا يختصم الورثة../ يموت الشاعر وتستمر المطابع في رجم عمالها بالحبر والأوراق/ يموت الشاعر ويستمر العشاق في عشقهم لكن دون مواساة/ دون راعٍ يحرس وحدتهم). ‏
تثير مدن الشمال في نفس حكيم مرزوقي بعض البورتريهات الشعرية، ليرسم لنا لقطات رطبة من المتعة البصرية وردّات الفعل النفسية التي تتركها ترك المدن يقول عن نفسه حين رأى روما أنها (مدينة الجنون الممتع والتطرف في الملذات/ وكأنها تسخر من تاريخها و أوابدها وتتآمر على قياصرتها/ أمشي فيها كقرطاجي أسير ومهزوم بفتنتها و أتساءل (كيف وجد أجداد هؤلاء الوقت الكافي للنحت و المعمار والحروب)؟ ‏
الحب في عيده اليومي كما يراه شاعر الأرصفة هو فعل تام للحياة وتناغم يهندس أحوال النصيب مع بائعيه، وزكريا بائع اليابصيب الذي يشبه مرزوقي في بيع الحظوظ شعراً للناس الوحيدين على خارطة الخطايا والانتظار يردد لجميلة عابرة في الحزن (يا جائزة المليون المحرومة يا رقماً تستريح فوقه دواليبي المتعبة/ هل تقبلين بي بطاقة رابحة كلما دارت بنا دواليب الزمن) أمّا أبو فريد السائق الذي ترك أثره على نصوص الشاعر بتوقيع مرح وهو يهدي زوجته قصيدة الحب التطبيقية : (يا وقود حياتي، يا مقودي الذي لم يفلت من بيت يدي../ يا مكبحي في ساعات الخطر../ يا معينتي على حفر الطريق/ لم تكوني لي يوماً دولاباً منفّساً أو صافرة شرطي) ‏
هكذا بمفردات بسيطة ومفارقات مدهشة يقدم حكيم مرزوقي نصوصه المغموسة بماء الشعر والتي لا تزال تسرّب ذهولها إلى أعماقنا و حقيقة عدم اكتراثها بفوضى الزمن والعراك اليومي للترف، هي نصوص ذكية تخلصت من الأيديولوجية وسلخت عنها رداء النزعة التقليدية لقصيدة النثرية من شكل ومضمون يومي صرف، هذه القصائد بين يدينا طليقة وحرة كما صدقها وشفافيتها تعبث بالوحشة وتحفز على نسيان الألم رغم رحيل الأحبة: (كلهم يرحلون حتى الذين زودتهم بأقدام كي يسروا إلي) ‏

أضف تعليق