دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
السبت 30 كانون الثاني 2010
عمر الشيخ
يمكن اعتبار تحوّل ضربة الريشة العريضة إلى ثيمة تقنية أساسية في أعمال الفنان الشاب محمد ظاظا.
كنقلة مباشرة عن التأثر الطبيعي بالنهج الأكاديمي المعروف في كلية الفنون الجميلة، الذي يحاول ظاظا عبر نتاجه الفني المستعاد من معرض سابق في مدينة حلب2009، الخروج من دائرة التكرار البصري و استقطاب أكبر شريحة ممكنة من الآراء، ففي معرضه المقام حالياً في صالة الشعب – دمشق، يركز ظاظا على مشاهد وجدانية تهبه إياها المخيلة العاطفية من طبيعة صامتة ومشاهد لحالات انتظار.. ولكن الميزة التي نستطيع الوقوف عندها هي إصراره الشديد على تحول وجوه شخوص أعماله إلى مجرد مساحة تلاش لونية تشارك خلفية المشهد التشكيلي الملتقط، ليترك أسئلته عن ذوبان الأعصاب في حضرة الانتظار، وأي محال ينتظره هذا الإنسان أو ذاك، وما يقصده ظاظا تحديداً هو صورة جيله الشاب، الذاهب إلى دروب الغياب، والباحث عن فرصة لاستحضار الأمل.
تتنوع اهتمامات ظاظا بين رصده لانفعالات عازفي الموسيقا بقوة لونية يغلب عليها التركيز في اختيار منطق لوني ثابت، وبين دمج ظلال سوداء تعبّر عن وحدة رهيبة يعيشها المبدع مع ذاته. وأحياناً نجد ضجيجاً بصرياً يقوده اللون الأبيض كخلفية لامرأة تحاول أن تعيش الانتظار ولكنها ما تلبث أن تفكر في المحاولة حتى يبدأ وجهها بتعداد ثواني الفراغ.
وفي مشهد خلفي من زاوية كتف عازف بيانو، يسوق الفنان لوني الأبيض والأسود وتدرجهما ليسجل رقص أصابع العازف فوق مفاتيح البيانو كأنه يكتب بالألحان انتظاراً آخر، وصمتاً أكبر، ودهشة خجولة لا تستطيع الالتفات إلى عيني المتلقي، وهنا يظهر الفنان الشباب طاقة مختلفة عن بقية الأعمال، حيث استطاع إلى حد ما التحكم الذكي بزاوية اللوحة ومنح معطياتها إحساساً موسيقياً واضحاً عبر دلقه للون خمري فوق الكتلة العلوية للبيانو، ليظهر المشهد محركاً بحزنٍ هادئ لأوتار البيانو وعيني العازف الخائفتين.!
كما يبدو اللون الأحمر سيداً عاطفياً يقوم بتوزيع الحب على معظم لوحات المعرض، حيث يشكل في أحد الأعمال مشهداً حميمياً لأجساد تغوص تفاصيلها ضمن بقع حمراء متدرجة نحو القاتم حسب كمية الضوء الواردة من أعلى ومنتصف اللوحة لنرى كلا الجسدين في توحد تام مع بعضهما، وتظهر منهما ذراع تحمل كرة زرقاء تتسلى بها لقتل الانتظار، وأخرى تؤنس وحدة ذراع متعبة، أمّا الرابعة تسند بياضاً متسعاً لملامح وجه مشوه وقد سالت مشقات صاحبه لتتحول إلى صخرة تسند يمين الشخصين، كما لو أنها تحصرهما في صورة مشوشة عن آثار الحبّ.
تذهب معظم أعمال الفنان محمد ظاظا إلى حالات ذاتية تتلخص في قتل الفراغ، ومحاكاة الطبيعة الصامتة خلال رصدها بأسلوب تعبيري واقعي غالب على الانطباعية والتحيز النفسي للصدمات التي يعيشها الفنان الشاب مع ذاته وتفاصيل علاقته مع الأشياء وكائنات محيطه.
