أبجدية تتعرى لـ«سيباستيانو غراسّو» عطر الحياة اليومية

دمشق
تشرين ابواب
السبت 1 آب 2010
عمر الشيخ


يتواطأ الشاعر الإيطالي «سيباستيانو غراسّو» مع قاموس الحياة اليومية، ليشكل طيلة أعوام من عام (2000 حتى 2008) نصوص مجموعته (أبجدية تتعرى) الصادرة حديثاً عن (دار التكوين- دمشق 2010) بترجمة حذام الودغيري وتقديم الشاعر السوري أدونيس، حيث يلجأ غراسّو إلى تشكيل انشغالاته بشعرنة أسطح الأحداث العابرة والإيغال في تفاصيل محيطه المادي في الشارع والبيت والغرفة والنفق والسرير، ليكتب باسم الماء والهواء والخبز والقهوة والقطارات وعطر نسائه قصائد تمد أجنحتها نحو الهواء الطلق، ترفرف بدهشة بصرية لتنقلنا إلى عالم مليء بالصور السينمائية المتدفقة بلقطات ذاتية تشبه صاحبها فقط..
تبدو ملامح قصائده الموحشة متداخلة بين اللقطات الشعرية القصيرة والقصائد ذات الإيقاع البطيء والموحد ضمن عالم ومضي من اللغة الرشيقة والصورة الشعرية القائمة على المفارقة والمجاز المكثف تكثيفاً واضحاً ما يدل على تجارب حياتية من لحم ودم، وهذا ما يخلق درجات صوتية متعالية وذكية، تجتاح الفراغ وتدون في الروح ملهاة تداعب المخيلة وتغوص معها في موسيقا التعبير وإيقاع الرغبات، هذا الفراغ التام يملؤه الشاعر بامرأة معشوقة تشكل أمامه لوحة مفاتيح راقصة لكتابة الذكريات في الانتظار: (أحصيت عربات القطار/ لا يعجبني غيابك ولو ساعتين/ ثغركِ، أريد ثغركِ قبل أن يبتلع النفق صوتك في الهاتف النقال). ‏
يدخل غراسّو إلى أدق تفاصيل حياته، ويمزج بعدسة درامية نمو الأحداث على ضفاف روحه، يعبر بأرقه وملله وفرحه وازدرائه إلى الجسد المقابل.. إلى العيون التي توقظه من الخوف لتنام تحت يقظته وهو يغني لها شعراً كالحزن: (هذا الليل يقتات من عنقي بضع ثوانٍ/ الفجر يشوّه الهوائيات والثقوب في شارع موسكوفا/ تمكثين بضع ساعات توقظينني/ من نوم متعثر، من الفراغ/ الذي يمتص منذ أيام ومضات حنق آفل) أحياناً في الغياب يعيد العاشق حركات حبيبته، كأنه يستحضرها في نبضه، وما إن تعود للقاء حتى يعري الشاعر صراحته ليقول: (أمثل خيانات كأنها ألعاب اجتماعية/ أعيد بعضاً من حركاتك/ حتى كيف تجمعين وتحملين إلى فمك فتات كريسينو فوق المائدة/.. /ذكريات خاصة لا أستبقيها في نفسي/ وتتهمينني باللامبالاة). ‏
تزداد مفردات الطبيعة والريف الإيطالي في قصائد غراسّو ليذهب ببعض همومه إلى تزاوج الصورة الحسية بالمكان، فمفردات البيئة الريفية وظفت هنا على اختلاف تكوينها من حطب ورماد وأغصان متكسرة وأشجار وحيدة وأنهار متعبة وعصافير موحشة وشتاء وقطارات ووديان، أجواء خاصة ترتكز عليها أدواته الفنية لخلع الجسد عن الروح وإطلاق العنان لأحلام الحب، وهذه الميزة يفعلها معظم شعراء قصيدة التفاصيل، لكن تجربة هذا الشاعر تبدو كأنها قد تخلصت من الحشو والثرثرة، فهو يكتفي بسرد ما تفصله عدسته الشعرية من صور ورقصات للمحيط الطبيعي الذي يتنفس منه الهواء نفسه ولكنه يطلق فيه ضجيجاً آخر وشهوات خاصة: (ثدياك وُلِدا بين يديّ، في الغاب/ عند حدود مقصورة/ كانت آلهة بحيرة تنام فيها/ منذ قرون وكان صوت البيانو يدفع الأعين للتفتيش عن ليالٍ كُسيت بأودية بيضاء). ‏
في مجموعة «أبجدية تتعرى» هي أبجدية الجسد والطبيعة الريفية.. أبجدية تقوم اللغة فيها على التكنيك السينمائي والواقعية السحرية في آن، حيث نقرأ الكثير من النصوص الخاطفة التي تذهب باتجاه سردية التفاصيل وحقن الخاتمة بجملة شعرية لتضفي على رونق النص دهشة تغفر سرديته المفروضة أحياناً، إضافة إلى غياب بيانات الفلسفة والرؤى، يقدم غراسّو التقاطاته الشعرية بتريث تام كونه أخذ وقتاً طويلاً يصل إلى حوالى ثماني سنوات ليختار نخبته في هذه المجموعة التي توفر النصوص بالإيطالية أيضاً في الكتاب نفسه، وكما قدمه أدونيس يمكن اختصار ذلك بقوله: (في الحياة اليومية فراغ لا يمتلئ إلا بجمال هو تحديداً، جمال المرأة الذي يشكل في قصائد «غراسّو» عطراً دائماً يستمر من وردة الحياة اليومية).‏

أضف تعليق