دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الخميس 1 تشرين الأول 2009
عمر الشيخ

أحياناً تُقدم الرواية المعاصرة والمحلية المكتوبة بنفس كاتب من الجيل الشاب حسب مقومات جمالية بحداثة فنية تتجاوز الأطر الكلاسيكية المعهودة، وتُصنّف على أنها اكتشاف أدبي ربّما سيفاجئ القرّاء، إمّا دهشة إعجاب أو خيبة أمل، وهذه الأخيرة تتصدر ما وصل لنا عبر رواية «وانتهت بنقطة» (الصادرة حديثاً عن دار الآداب اللبنانية) للكاتبة السورية نادين باخص التي ظهرت في المشهد الثقافي السوري عبر الشعر، حيث نشرت في عدة منابر محلية، وعربية أحياناً، وقد نالت مراكز محلية في مسابقات الشباب عن بعض نتاجاتها الشعرية، لكن عملها (الروائي) الأول والجديد الذي يسجل في رصيد المشهد الروائي السوري، يبدو مألوفاً من خلال اختيار الحكاية والبناء الفني للمشهد، أمّا من حيث اللغة فهي لم تسلك منح النضوج المقنع والوافي بوصفها سُبكت حسب تجربةٍ سردية شعرية منحولة، ومن جانب آخر يلعب التحليل الهش لشخوص الرواية دوراً أساسياً في تقويم الحسّ التكنيكي لتوصيفها بنعوت ضائعة لا وظيفة لها في المشهد فقط مجرد تشرذمات في نواة الفكرة تخلق تقسيمات مصطنعة.
بطلة الرواية (رهام) التي تتحدث عن تحولات نفسية و اجتماعية تعرضت لها أثناء نشاطها في الوسط الثقافي السوري، لتصدم بشاب يدعى (قاسم) لا تعنيه المرأة كثيراً في ذاك الوسط وهذا ما لفت انتباهها، حيث تدور قصة لقائهما مصادفة في أحد المهرجانات الثقافية، لتكتشف مع الأيام إعجابها تدريجياً به، فتتواصل معه عبر رسائل الإيميل والجوال، ثم تكتشف براعتهُ المجازية في اللغة، تسقط أسيرة إغوائه السوريالي في شعريّة رسائله، من ثمّ تشاء الأقدار أن تفرقهما لأن (قاسم) يقطن في الشمال وهي تقطن في الوسط.. وذلك كناية عن بُعد اجتماعي شاسع كاختلاف أديان وتقاليد أسريّة.
يصادف (رهام) خلال سردها لحكايتها ثلاث شخصيات تساهم في تحريك تبدلاتها الدرامية، وهم حسب الرواية: (رجل من صوت، وآخر من حبر، وأخير من حنين، ثلاثة من حزن.. تعلمت منهم أن للقطارات لغة واحدة.. مهما أطال القطار استراحته في محطة ما، لا بدّ دائماً من رحيل.. وكانوا قطارات.. وصلت وتوقفت من ثم رحلت..) شريف و ثائر وقاسم، ثلاث رجال عاصروا تجربتها الغائمة في فهمها للحياة، جميعهم كانت تبحث بينهم عن ظلها.. عن صوتها.. وعن سموٍ خيالي ومثالي في الروح لم يَعُد حقيقياً عبر تقنياته المادية والفكرية التي تستخدمها البطلة. يوازي تلك الشخصيات امرأتين هما صديقتي (رهام)، الأولى (حنين) التي تسدي نصائحها بوصفها متزنة أكثر منها – كما صورتها – (رهام)، والثانية (ميّة) التي تنهي حياتها بإطلاق النار على حبيبها، وعليها، لأنه هجرها ومن ثمّ تزوج واحدة غيرها بسبب اختلاف الأديان، تؤثر (ميّة) على حياة (رهام) وفق تصوير مسبق للأحداث التي قصتها (ميّة) عليها، وهكذا تسهب شبكة العلاقات تلك في تفكيك سطحي للأحداث حسب مقاربة شحيحة إقناعياً، و إقحام غير مبرر لدخول شخصيات الجديدة ما أوقع الرواية باهتزاز وقلق مستمرين أثناء تصوير الوقائع بسرد درامي يُعرّج على اللغة الفلسفية لا أكثر.
يحكم الرواية خط بيني يمسك بسلسلة الأحداث من وسطها يعبّر عن جرعات شعرية تتخلل الفصول الثلاثة التي قسّمت الرواية حسب التسلسل الزمني للأحداث بوصفها (فلاش باك) سردية، يفتقد للتخيل الصوري و ضبط نقاوة الصورة.
ثمّة كشف مبكّر للشخصيات التي ارتبطت مع بعضها وكشفت مسوغات وجودها في آخر صفحتين للرواية كما يبدو، حيث قُدمت بداية الرواية بأسلوب تقليدي استهل وضع روائية متخيلة تدعى (نشوة الطاهر) تلتقي بالبطلة (رهام) لتكتب قصتها، إلا أن (نشوة الطاهر) تختفي تماماً، ويظهر ضمير المتكلم وفق صوت البطلة الذي يجمع خيط الأحداث والتفاصيل مع بعضها، يضاف إلى ذلك البعد الشاسع عن انتماء الرواية الجغرافي للمكان الذي أُهمل تماماً عند مفصل الأحداث و استعيض عنه برموز الجهات كالشمال والجنوب والوسط.. حيث هدرت وشتت التصوّر الخيالي للمتلقي أكثر ما هو ضائع.
عاشت شخصيات الرواية شحوباً واضحاً من خلال التحليل الفقير لذواتها، حيث لم تصلنا الحالة الحقيقية لتوصيفها النفسي والإيديولوجي، مثلاً عندما تتحدث (رهام) عن صديقها الشاعر (ثائر)، تنعته بـ(أبو الحداثة الشعرية أو ملك الحزن) ونحن لم نلمس شيئاً من تلك الأوصاف، والدليل أنها لم تورد مقاطعاً من شعره! وعلى هذا المنوال لم تدخل الكاتبة إلى جوهر الشخصية إلى حد الإقناع والحجج الدقيقة.
لا يمكن إغفال جانب مهم من هشاشة التصوير وهو تلك التنقلات المكانية للبطلة التي أشعرتنا أنها قطعت نصف الرواية وهي لا تزال تتحدث عن مبررات حضورها مهرجان للثقافة ومدى قرفها من الأماكن التي تكرس لتلك الأجواء، مستخفةً بوجودها مع (المثقفين) حيث تحشو قصصاً أخرى تبعدنا عن المضمون الحسي والمؤثر للبطلة (رهام)، ما يبرر إسهاب غير ضروري لإظهار القدرة الباطنة للكاتبة (الشابة) على اختراع المجازات والإبحار في طقوس شعرية ضحلة و شاحبة وتقليدية بامتياز.
عندما تحدثت الكاتبة عن الجنون هذا الإحساس الذي لم يُجسّد كعبهُ أو يسمع صدى دويّه الحقيقي في حبكة الروية، بقدر ما استُنزف ذكره وتكراره، بالمحصلة قرأنا الكثير عن هذا الجنون ولكن لم نقرأ الجنون إطلاقاً! جسم الحكاية مصاب بنحول فني بديهي لباسه الكلي مطرّز بحالات التشويق العاجزة.
الرواية إنشائية التركيب، وجوانبها الإنسانية بلا هوية خاصة ومحددة، تناولتها تناسب مواضيع الإنشاء بشكل معقول ومنطقي جداً، والدليل تلك التحولات في الخاتمة من إقفال معطوب ومباشر أغلقت به الكاتبة سرديتها عن غير دراية، مؤكدةً نهاية ضيقة على الاحتمالات، تعتمد التقريرية في الرصد بوساطة التفنيد الثلاثي والقرارات المباشرة للبطلة في تحديد مصيرها كما لو أنها موضوع تعبير لم تنضج بعد..!
