(بسمالخ).. مديح الغياب و لوثة التشبيه

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الأحد 13 أيلول 2009
عمر الشيخ

تصنف اختيارات اللحظة الشعرية عند أوس أسعد في مجموعته (بسمالخ) الصادرة حديثاً عن دار التكوين الدمشقية، في محورين أساسيين (غياب الأنثى وذاكرة المكان)، أي ينفي الشاعر قصائده من داخله ويحاول إلباسها مفردات المكان، يقترب من الذاكرة لتقع في فخ الماضي، تبدو قصائده متفاوتة الحدّة والسوية المميزة بين المتن والاستعارة والمجاز الشعري وبين السرد والإسهاب في تقطيع اللقطات الشعرية ضمن القصيدة الواحدة، لكنه في لغة مقاربة معينة تنتسب إلى جملة نظيفة من التشابيه يستطيع أن يؤسس دهشةً مختلفة في مقطع واحد من تزاحم التقطيع في القصيدة نفسها: (اللون/ بصراحته المُجهدة/ قال اللّوحة وانطفأ) ص19، وأحياناً تجد لقطات شعرية حمضت في معجم مفردات منفلش على تيمة الغياب التي تغرس مخالبها في كل الديوان: (أقترفُ/ حضوركِ وأدنو/ ثم أدنو من غيابي) ص19،
يعتبر الشاعر امرأته مكوناً رئيسياً في غواية الرغبة، فيدعمها بفلولٍ من عصافير شعره لتستحم بها، معتبراً إياها أول وآخر قصيدة يعرفها: (بأي طعنٍ/ تلجُها/ تجدها/ عاريةً/ تستحم بعصافيرها) ص24، في مكان آخر من القصيدة نفسها قد يتجه الشاعر إلى التنظير المبطن بالفلسفة ليقدم ربما حكمة، وربما شعر يصعب عليه أن يكتبه: (القصيدة/ ما انكتب/ على غفلةٍ منا/ القصيدة/ ما لم ينكتب بعد) ص25-26. ‏


يمكن للشاعر أوس أن يقترح قصيدته بمنأى عن غيره من مجايليه أحياناً، يقدم مجازته واختصاراته اللغوية بشعرية نقية لا تخلو من المقاربة الحياتية واستخدام الجملة البديهية والسائد وتحويلها إلى جمرة شعرية ناطقة وخاصة، تأخذ مكانها المضيء وسط العاطفة: (ما أكثرني/ حينكِ/ وما أقلّ/ المكان/ أثناءَكِ) ص53، يمزج الوقت بجسم حبيبته ويطرح قلبه على الورق قصيدة من الحمم: (الثانية عشر/ و ارتعاشتين/ الثانية عشر/ إلا «منتصف جسدك» ولم أغفو) ص58. ‏
هي الحيرة التامة تسيطر على أكثر مفرداته لمعةً، هو الغياب الطاغي على أجواء (بسمالخ) بكثرة، فنستنتج تعاريف شعرية شبه خاصة للأمكنة، تتفاوت بدرجة حرارتها الفنية بين الفاتر والبارد وأحياناً المغلي مثل نص «النافذة»: (بعد سقوط/ آخر تحيةٍ/ طوت عصافيرها/ غفت/ في الجدار) ص84. ‏
يعترف الشاعر بمصيره القادم، الموت، لكنه يعيش الشعر ويدون ما يحلو له، نلتقط ما يشبهنا ونترك ما يشبه الغموض طي الكتمان، حسب الذائقة نصطاد المفردات التي جمعها رغم تكراره في أكثر من محاولة لإخفاء حصريتها الباقية في مخزونه الشعري، على سبيل المثال استهلك مفردة (العشب) بطريقة شبه مفضوحة وهذا ما أضعف متن بعض القصائد في عبارات مثل (جسدك تعشب – مفردات عشبك – اختزال عشبك – عشب القصيدة – عشب الردهة) وهكذا يفلت التماسك المطلوب للمجموعة عبر تلك التناسلات القليلة لعنصر العشب، على عكس استخدامه لمفردات الطبيعة التي شكلت صورة المكان الجغرافي للشاعر، وبالتالي انتماء تلك القصائد له، من خلال إدخال تلك المفردات يصبح التوازن شبه حاضر بحسب تنوع الأمزجة لدى القارئ حين يمر على تشابيه تنتمي إلى: (الدالية – الغزالة – الزهرة – الأشجار – القرنفل – النعناع – الثعالب- الخلد- النوارس- الغابات –الزرافة – الرعي – الماء – العصافير…) كل ذلك في ضيعته في مكانه المنتمي إلى روحه إلى صورته التي يوقعها بهذه الأنشودة: (نغترب/ لنرى أعمارنا/ الجارية/ نغترب/ لندنو/ أكثر من/ موتنا) ص87. ‏
هذه هي ضيعته تلالها عروقهُ ومفرداتها شعرهُ وناسها هواءُ ثمالتهِ العابق بتلك اللغة الطرية التي تسيطر على قارئ مجموعة(بسمالخ) الممتدة فوق بساط أخصر وتلال يعرش في خجلها عشرين نبع من الحب والشعر و الحزن.

أضف تعليق