لينا شدّود في«لا تشِ بي لسكّان النوافذ»..رشاقة الدفقة وتلقائية الدهشة

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الأحد 6 أيلول 2009
عمر الشيخ
تفيض اللقطة الشعرية القصيرة لدى الشاعرة لينا شدّود في باكورتها زلا تشِ بي لسكان النوافذس من عمق طباع أنثوية صادقة، كأن الكلمات المستحضرة لبناء جملة المشاهد الشعرية قد غُمّست وتغلغلت في تجربة حياتية لامرأة تحاول أن ترمي أحجارها في ركود الأفعال الاعتيادي و تنعرُ كلماتها في سرسوبة الرتابة والروتين، تقوم بهزّةٍ روحية تنفض كل فرشات الخيال إلى سرب كبير من الاستعارات يطير في فضاء معجم سلسل من المفردات.
تتمتع مجموعة »لا تشِ بي لسكّان النوافذ« بطقوس صوفية تجعل من العالم الداخلي للإنسان متمثلاً بحقيقة تعبيرية نقية وتلقائية تذهب إلى الهم الذاتي المعيش نفسياً طبقاً للمتغيرات الحياتية التي يقع تحت تأثيرها الشاعر، ثمة كثير من البوح العاطفي المؤجل الذي يبدو عليه التماسك الفني في الظهور على صفحات شعرية محفورة بضوء مختلف: (أنت تؤنس وحدتي/ بكثيرٍ من الصمت)ص17، (قريباً من الجذور/ سأتحسسُ نبض الكلمات/ لأبدأ السفر الطويل)ص19.
تعتمد قصائد هذه المجموعة على التركيز التأملي لفكرة شعرية، من ثمّ لتتحول إلى تأويل ذاتي رافض، وبعدها قصيدة ومضية يتحكم بمزاجها تيار أنثوي هادئ يلضم خيط البداية ويتركنا نتأمّل إلى لا نهاية، كالحلم حين يوظف على ماهية اشتياق: (جميلٌ أنت كحلم / أفرغ دهشتهُ/ في نُعاسي. / فطاب النوم لأيامٍ وأيام)ص31، هكذا هي القصيدة معيشة مع الذات تهوس بها لينا كأنّما تطلق النيازك من أنفاسها نحو الحياة، بعيداً عن لوثة التشابه والغوص أكثر في عوالم الذات، قصيدة منطلقة إلى الهواء دون وسيط، يحملها ضوء الشعر على لونٍ خاطف، قريبة من كل أشياء الجمال، والجمال كما تعتقد لينا هو الحرية: (حرة القصيدة/ لا تريد/ أن ترث إثمَ من سبقوها./ في المكان الآمن/ مابين الجمر والجمر،/ سأكسو جلدي بالريش لأطير) ص32. ‏
مجازات تذهب بالأفكار الباطنية إلى إنعاش لغوي يناسب الحسابات البسيطة للقصيدة، فيتركُ الإقفال اللفظي لمعةً سريعة في التركيب وربط العبارة مع التصوّر، فالغابة شبيه الغياب والهجر، والخوف تيمة مبطنة من البداهة. لا تختلط أجواء لينا الشعرية بمزاجات بلاغية ثقيلة، ولا تتكلف في وشايات معلنة عن حبّها وذاكرتها، فالخطو باتجاه النداء الشعري للحياة يشغلها أكثر من جحيم الغابة وخفايا حبيبها: (من يجرؤ دخول غابة/ تكاثرت بعد الغياب) ص36، (الحريق يواكب الخطو../ لاتطفئهُ../ دعه يبدد الرماد كيفما يريد) ص38 ـ 39، عيون تحادث الكلمات وصوت رقيق يفتح الأسئلة الصعبة عن العزلة والعمر المهدور و.. والحزن أحياناً! ‏
تصور الشاعرة حالات الذاكرة بعدسة ميلودراميا شعرية، ترتكز على تكثيف المشهد بالتشابيه الغريبة والقريبة من الحقيقة، فخطوات حبيبها تفتعل طنين الماضي، وتشعل اللهفة غياباً واشتياق، لتصل عبر الحبل السري للشعر إلى مولودها السوريالي القابع تحت وطأة الاشتهاء: (لخطوك هذا الشجو/ الذي يُسكرُ مروجَ وحدتي/ وإذ يتراءى لي طيفكَ/ تسكرُ عناقيدي/ من شهدٍ ذاب/ في دِنان اللّهفة) ص46. ‏
تتعدد مفردات الطبيعة من شجر وأوراق يابسة وأغصان منتظرة في قصائد لينا شدّود، لتنحو إلى خطاب مكاني يستحضر الريف الشهي باخضراره ونقائه الروحي، مخلوطاً مع محاكاة شعرية بينها وبين الحبيب عبر قصائد تعتمد ضمير مخاطبة الآخر وحده، مايدل على حميمية واسعة اتساع الشعر مثل عناوين (لا تشِ بي ـ عطركَ – لخطوكَ – في عينيكَ حنان يكفيني – لهمسكَ) حيث تشتغل لينا عند منطقة المقاربة اللغوية بين الواقع والخيال بأدوات منتجة من مفردات فصول السنة وتقلباتها كآبة الوحدة والمتلاشي المنفجر عند الكلمات (عشرون شتاء ـ ضباب طمأنينة ـ لذة الصحو ـ مدن مهجورة..). ‏
هي لغة الانتظار و تهديدات الشعر التي تعيشها الشاعرة، تنطلق من زوايا الماضي كأناشيد تحرض على السعادة وتقترح الدهشة التلقائية في رشاقة الومضة. ‏
الكتاب: لا تشِ بي لسكّان النوافذ – شعر / تأليف: لينا شدّود ‏
جائزة الديوان الأول 2009 ‏
الراعي والناشر: دار التكوين ـ دمشق ‏

أضف تعليق