استعارة الشِّعر في مجموعة : لا أحد يحلم كأحد !

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الاحد 10 أيار 2009
عمر الشيخ

يعتقد القارئ العابر الذي لا يتابع المشهد الشعري السوري أن الشاعر الفلسطيني «رائد وحش» يكتب نصوصاً في منطقة الفانتازيا الخيالية والمرح المبتكر، ولكن على العكس تماماً، فمجموعة رائد الثانية (لا أحد يحلم كأحد) تحمل الكثير من المخالطات التي تشوه تركيبة نصه كشاعر، لأن المناخات المتعددة من قصة ومقالة وخاطرة حاضرة في هذه المجموعة الجديدة، وكأنه استعجل على جمع نصوص المجموعة لكي لا تفوته مسابقة الاحتفالية، ولكن هذا لا يغفر له أن يحشر الكثير من الثرثرة والقليل جداً من الشعر.
سنلاحظ أنه بدأ منذ فترة وجيزة بالخروج على قصيدة التفعيلة التي طبعت مناخ مجموعته الأولى (دم أبيض2005)، وهذه تسجل عليه، فهو في معظم ما يكتب خلال هذه التجربة الشعرية لم يصنع ملامح واضحة خاصة بهِ، لذا كانت قصيدته الأولى في مجموعته الجديدة، بعنوان «سأتزوج أنجلينا جولي» قصيدة نثر مميزة تحمل تعابير خيالية متفجرة بشكل ملفت، أقرب ما يكون إلى حلم ولكن بطابع حداثي بانتظار نضوجه الزمني. ‏
وفي متابعة دقيقة لباقي النصوص سنلاحظ أصوات شعراء آخرين واضحة وتلصص تقليدي في العديد من الحركات اللغوية والصور البيانية، ففي قصيدته «(يعانقني الآخرون ليشمونكِ فيّ)ص31» يطابق تماماً جزء من قصيدة للشاعر السوري منذر مصري يقول فيها : (بشفاه الآخرين أستطيع تقبيلك)من مجموعة «من الصعب أن أبتكر صيفاً 2008»، أهي مقاربة شعرية تنتمي إلى حالة التأثر كون «وحش» غير متفرغ لتطوير نصه بوصفه يعمل في الصحافة اليومية وهو في ذلك مستنزف بالنسبة للمخزون الشعري والقراءات المنوعة، كما أن مقالته أحياناً أجمل من شعره، لذا لا وقت له لإنضاج نصه الشعر، فطريقة التلصص واستعارة التراكيب سمة طبعت كل قصائد المجموعة، فمثلاً في فصل بعنوان«حيوانات تزور حديقة البشر ص 57 »، يعيد « وحش »تجربة الشاعر السوري محمد فؤاد في مجموعته(«قال بيدبا» عام 2005 )« بلا زيادات وبشكل مباشر فج، حيث في قصيدة بعنوان «سحلية» للشاعر «محمد فؤاد» يقول فيها : (جاءت السحلية من القامشلي/ مشياً على الأقدام)، أما «رائد وحش» ينسخ الحالة مع بعض التعديلات كونه (فلهوي شعرياً) ليكتب نصاً بعنوان «ذبابة» ويقول «وحش» : (قطعت الذبابة مسافة 900كم وماتت .ربما نوت المجيء من أقصى المحافظات إلى العاصمة ص61). ‏
يشتغل التفسير الشعري عند رائد وحش فهو يظلل القارئ بابتكاراته وبرمجته للكلمات على فكرة مستعارة لا تمت أساساً لصوته الشعري.


في أمكنة أخرى من المجموعة يختلف الجو قليلاً بالنسبة لواجهة النص، فـ (اللوغو) الشعري لدى«وحش» متعدد الأشكال، مثلاً في نص بعنوان« ما تفعله الروايات» هو مجرد مقالة لا تنتمي إلى الشعر إطلاقاً، ولا تحقق على الأقل دهشة النص. ‏
الومضة الشعرية التي حملتها بعض قصائده القليلة حتى أنها لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، لقد كان هم «وحش» أن ينجز مجموعةً كيفما اتفق تحمل بعض اللهو الشعري وتعربد أكثر ما يمكن في مقامات السرد القصصي وبناء المقال . ‏
أما أقدم لعبة ممكن أن نكتشفها في «لا أحد يحلم كأحد» هي عكس المفاهيم ونقد الشيء، بحيث نلصقه بضده كجزء أساسي منه، كأن يقول :(دجاجة بيضاء لا يراها إلا الأعمى)ص60،تلك الحركة اللغوية مستهلكة ولكنها جميلة إلا أن «وحش» راح أكثر ما يمكن إلى جو الحكاية وأفقد أفكار نصوصه الروح الشعرية اللازمة لتصل بقوة إلى القارئ، وهنا بشأن الفكرة لا أعتقد أن نص«إلخ ..إلخ» ينتمي إلى أي نوع من أنواع الأدب فهو ثرثرة يعتقد «وحش» أنها تفكير شعري ويحمل حداثة ومفردات يومية لكنها مجرد خدعة منتهية الصلاحية مطفئة لا أود ذكر محتواها لأنها ستسيء لما أريد توصيله. ‏
وفي مكاشفة أخرى يثبت«وحش» براعته في التلصص الشعري على الشاعر «فايز حمدان» من مجموعة (أولاد الجيران عام 2003 )يقول «فايز حمدان» في قصيدة بعنوان«مطر آخر» : ‏
(الأبنية الشاهقة تهمس/سنوات وأنا أحاول/ أن أصلك أيها المطر / شكراً لهبوطك /سطحي صار حقل نعناع/و الدِشات غدت عباد شمس)، هذا المقطع بصياغة مفبركة يمكن كشفها كون كلا الشاعرين صديقان وهما على احتكاك متواصل، فرائد في أكثر الأحيان يأخذ من الآخرين حتى خلال أحاديثهم العابرة في المقهى ويصب في مواده للصحافة، ولكن بالنسبة للشعر فالمرجع هو الديوان المطبوعة، ولا (منيّة) أحد، هكذا سيكتب «رائد» قصيدة بعنوان«إنها تمطر نبيذاً» يقول:(المباني الكالحة تبيضُ / الشرفات تصير مناطيد ص76)، هي حركة ملعوبة ومكشوفة ولكنها لا تليق بصوت جديد وشاعر يهمّه أن يصنع بيئته الخاصة ونصه الخاص. ‏
رائد وحش في مجموعته الثانية«لا أحد يحلم كأحد» ينسف تجربته الأولى في (دم أبيض) ويترنح ضائعاً قلقاً ويبتعد أكثر ما يمكن عن الشعر ويتجه نحو الثرثرة والعبث مع اللغة بلا فائدة، رغم أنه يمتلك مخيلة خصبة في تكوين أفكار نصوصه، إلا أنه يخفق هذه المرة في تشكيل حلمه الشعري، ربما مسابقة الاحتفالية هي السبب، فورطته والعجلة في النشر سيؤثر سلباً على تجربته وهذا ما لا نرجوه، تعدد الأصوات في مجموعة ثانية غير مبشر، التناص المباشر مع الكثير من التجارب الشعرية المحلية أو العربية عموماً قد صار واضحاً، رائد وحش ماذا كنت تريد أن تقول في « لا احد يحلم كأحد »؟ ‏‏

أضف تعليق