دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الاثنين 5 تشرين الأول 2009
عمر الشيخ

ضمن معطيات عنصر تحريك المشهد الشعري في السرد الموحد مع عملية النمو الدرامي تأتي مجموعة (ترسلين سكيناً أرسل خنجراً) للشاعر السوري صالح دياب (دار الشرقيات -2009- القاهرة) كمفصل أساسي يحكم القصائد بخط ميكانيكي نواته الأساسية ثيمات منوعة للحركات العابرة وردات الفعل التي تصدر عن تصرفات الناس، حيث يعتمد الخروج المباشر من الاستعارات والمجاز والتشبيه البلاغي اللازم أحياناً، ويدخل إلى التفصيل البسيط المنطوي تحت تأثيرات المخيلة والمقاربات الشعرية الخفيفة.
يدخل صالح دياب خلال نصه الشعري عبر سردية بيانية تتقاطع مع بديهيات الطبيعة وتقلباتها مشكلة كولاجاً حسياً من تفصيله اليومي: (ليست السماء صافية/ والشمس مشرقة/ إلا لأني أفكر بك) ولكن تبدو أجواء القصائد متشابهة في طريقة التعبير وتركيبة العبارة، حتى إنها للوهلة الأولى تلتصق ببيئة واحدة تعبر بصراحة عن ترف الحياة، الصورة الشعرية تعتبر حملاً أساسياً في النص الشعري فإن الإغراق باليومية يفقدها الشاعرية الماهرة إلى حد ما، هنا حيث الكلام العادي الذي يمكن أن تستخدمه الجارات بين بعضهن.
الإشكالية المرافقة لقارئ هذه المجموعة ينتابه إحساس مباشر في فقد القدرة على التقاط الحدث اليومي وتحويلها إلى نص شعري، عبر مقارنات تجعل النص مليئاً بالشاعرية، الخطورة في صنع نص شعري حديث تكمن في الإبقاء عليه كما هو طازج من الشارع بشوائبه وعموميته كما في: (أبعث لك رسائل عبر الموبايل/ أعاود بعث رسائل عبر الموبايل/ بكافة أنواع الحنان بكافة أنواع الرقة والدلال).
تفتقد أكثر قصائد المجموعة إلى الصورة التي تقبض على الدهشة، وتذهب في سرديات تصل حتى الكلام العادي، وجلب الحالات اليومية وإطلاقها بطريقة فجة ومباشرة جداً تعبر عن بداهة وقص سائد يخلو من أي شاعرية: (هذه الليلة/ استيقظت كي أغلق النافذة/ المنسية في شكل موارب/ ألقيت نظرة على الأشجار/ التي تهزها الريح/ لم أقض وقتاً طويلاً أرنو إليها).
هناك بعض القصائد الحركية استطاعت تقديم جمل شعرية قليلة ومختلفة، تقترب في خصوصيتها إلى عالم حقيقي ملموس يتباين عبر جغرافيا حياة الشاعر ليعطي القصيدة حساسية خاصة تنتمي إلى اللقطة العابرة وتراكمات الذاكرة: (يد خفية بدلت الأسطوانة/ لكن أذنيه مليئتان بموسيقا/ الأسطوانات السابقة).
يمكن ملاحظة جانب واضح جداً في طريقة كتابة القصيدة عند صالح دياب التي تسبح على أطراف قصيدة النثر دون كشف عمق مميز وشعري، وهو ربط الشيء المادي من التفاصيل المحيطة بالشاعر مع التفكير المحسوس الموازي لعبارات البوح لتصنف المجموعة كمذكرات خاصة لا كمجموعة شعرية ثالثة لشاعر سوري مقيم في باريس ومتأثر بالجو الثقافي العربي والغربي، ولكنه لايحمل روائح رامبو أو الماغوط، فقط بعض الأحداث التي تصادفه في الحانات، ومنزل حبيبته التي تطرده دائماً، والأرصفة المؤقتة القابعة تحت حمولة أمتعته يتنقل من فندق إلى آخر بعد خسارته كل شيء في تلك الغربة، حتى الشعر الذي خذله في هذه التجربة السطحية المترفة بالحشوة والثرثرة.
(ترسلين سكيناً أرسل خنجراً) بيئة كتابية ملائمة للبوح الذاتي، لعب مباشر مع اللغة وانقلابات علنية على الشعر مع العلم أنها ليست بنية شعرية حقيقية لتقديم ماهو صادق وشعري حداثوي بالمعنى والصورة على أقل تقدير، ترى ماالذي كان يريد أن يقوله الشاعر صالح دياب في مجموعته الجديدة التي من المفروض أن تتجاوز ماقبلها، بوصفها نمواً طبيعياً لتجربة صاحب (قمر يابس يعتني بحياتي 1998) و(صيف يوناني 2006) التي تبدو من عناوينها الشعرية مبشرة بنظرة خاصة للحياة والقصيدة ولكنها تغيب في تجربته الراهنة!
ترسلين سكيناً أرسل خنجراً.. نصوص موغلة في اليومي
0
