ثقافة وفنون
صحيفة تشرين
الأربعاء 14 تشرين الأول 2009
عمر الشيخ

تأسرك هالة التصعيد اللوني في شخوص لوحات الفنان التشكيلي سعد يكن على امتداد صالة (آرت هاوس) في دمشق.
كعناوين قاسية لقصائد بصرية ترتل الموسيقا ضمن بهو ألوان تنفلت في انفعالات حادة لزوايا الأصابع الآخذة بالعزف على مفاتيح البيانوهات المتلاشية تحت وطأة الإيقاع السوريالي، وتتخذ الكراسي الصامتة قاسماً مشتركاً لتلك الأعمال فتحمل فوقها أحياناً أجساداً تتفاوت في تركيبة أبعادها بين الأوجه المألوفة الذاهبة نحو التعبيرية أو الأوجه الخيالية التي تعتمد على انحناءات ذاتية تتسم بالهمّ الإنساني كالضجر والفراغ والوحدة، وأحياناً تكون الكراسي وحيدة تعبر عن قلقها بخجل يشبه الألوان الخافتة.
اقتصرت مواضيع المعرض على هواجس الموسيقيين في طقوسهم النفسية، وتواضع طريقة حياة بعض الصيادين على الشطآن بتفاصيل قريبة من أفعالهم أثناء إعداد شبكات الصيد، وتطبيق مهارتهم في صيد أرواح الأسماك، وهذا ما يبدو على وجوههم المنتظرة لأحد تلك الكائنات الحية.
لونياً يبدو الأحمر بلطشاته الخفيفة على تفاصيل كل اللوحات كتعبير علني عن الغضب والرفض لأحوال الروتين الاعتيادي في العيش، أحياناً نقرأ اللون الأحمر في بعض الأعمال كتأكيد فني على وجود الكائن الحي، أما اللون الفيروزي الذي يأخذ جانب الهدوء والعمق في المشهد والتصالح مع النفس يظاهر بشدة في لوحات رصد صمت الصيادين.
الكراسي العديدة المصفوفة بانتظام في خيالات سعد يكن هي نفسها تضمنت تجاربه السابقة، كراسي بحواف نحيلة مصفوفة برتابة مباشرة تعبّر عن سخرية مبطنة للمشهد الطاغي على تكرارية الأفعال في حياة المبدعين، واستقرار حياتهم في معظم الأحوال، وتكاثرها في هذا المعرض يطرح سؤالاً هاماً برسم تجربة سعد يكن كجملة فنية مؤثرة في العالم وهو: هل هذا النوع من التعبير عن شخوص لوحات يكن هو نمطية دائمة اعتمدها الفنان، أم كسر بطيء للخروج عن المألوف بالنسبة لتجربته؟ يمكننا التأكد أن ذاك الكسر العلني في لوحة تفصيل من أوركسترا غربية مغايرة لكل اللوحات التي ترصد أحوال عازفي الموسيقا الشرقية، حيث تبدو ملامحهم حيوية نشطة متفائلة تعزف بكل تفاصيلها الحركية وهي مرحة بكل ثقة، على عكس باقي العازفين الشرقيين الذاهبين في غيبوبة نفسية وروحية، يؤدون نوتات السلالم الموسيقية فقط مجرد تأدية بلا روح أو حياة أو حتى ابتسامة، إنما شحوب مقفل لعيونهم الذابلة تقودنا لمقاربة فنية باهرة تشمل هموم المبدع وانقلاباته الاجتماعية المؤثرة على منتجه الفني.
ثمة شخوص تعتلي الأرض بلا كراسي تجسد البروفات الأولية للعازفين وتقربنا بعناية من شرودهم وتأملاتهم الذاهبة نحو الأمل بحفنة سعادة.
سعد يكن في معرضه الأخير (موسيقا) يقودنا إلى عالم جديد من الشعر البصري، ويقرأ ألوانه بثقة العارف بالهمّ البشري، ويترك عازفي الموسيقا في لوحاته أطياف أرواح تنصاع لقوة الألوان ولشدة إغوائها الشعرية.
