دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الخميس 16 تموز 2009
عمر الشيخ
دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الخميس 16 تموز 2009
عمر الشيخ
يبدو الشاعر خالد سليمان الناصري في مجموعته الأولى(صدقت كل شيء) متحدياً كل أشكال الشعر, يفتح أمامنا جحيم الرؤيا والنبوءة, والغوص في خرائط التفكيك الشعري, من ناحية الشكل الفني لترتيب المجموعة واختيار عناصر الحالة الشعرية ما يجعل الدخول إلى هذا العالم محفوفاً بالمتعة والشغف لظهور عمل أدبي لا يشبه إلا صاحبه.
وكما يقول الشاعر راسم المدهون في مقدمته للمجموعة: (يلاحظ قارئ قصائد خالد الناصري انحيازه لبلاغة تتأسس على فن الرسم, أي على كل ما يجعل القراءة ممكنة بالعين والمخيلة والعقل معاً) هكذا بفرض هذه الاحتمالات التي تدل على ركام ثقافي هائل يحتمل ذائقة خالد الناصري سنكتشف أفقاً فسيحة للغة والصورة والتنقلات الفنية بين المقطع والآخر, وهذا ما جعل المجموعة دالة خاصة وخطاباً ذاتياً عن الفضائح الداخلية التي يعيشها الشاعر مع نفسه.
أما الأيام التي تترك مفارقاتها طي الكتمان, وحده الشاعر ينسفها وينفيها إلينا كما لا يعرفها الزمن شبيهة بتكرارها ومملة بلا حب: ( أيام/ نستيقظ../ نفتح توابيتنا/ ونخرج منها مملوءين برائحتها/ وفي المساء نعود إليها/ نملؤها برائحتنا). لا يختلف ذاك الموت العلني الذي يقع عليه الشاعر في كل لحظة شهيق أو زفير يتخللها في الحياة, فلا فرق كثيراً بين موت الحياة وموت الموت, الشاهد العيان على كل ذلك الخراب هو جسد الشاعر المسجى في تابوت الحياة: (وأنا/ كلما وقفت في منعطف الهواء/ يغص الهواء بي/ والهواء كلما وقف في منعطفي/ أغص أنا به/ إلى متى أنا وأنت أيها الهواء/ نتجادل عن خطايانا في تابوت؟) في فصل بعنوان(طائرات ورقية) يسخر الشاعر من عادات العائلة في التقمص من الأب, ويقتل تلك التقاليد ألف مرة ولكنها لاتموت, فهنا بداء الشعر فقط يمكن أن تقتل سراً: (إذا ما أسرفت النظر في وجه أبي. فذاك أني أقلب تجاعيده باحثاً عن وجهي, وإذا ما أسرفت في البحث عن وجهي فذاك أني في«هناك» ولكن هنا)
الانفجارات الحزينة التي يعيشها الشاعر حزناً ووحدة, تتسم بالخصوصية الواضحة فهو يستخدم روحه للنطق بالشعر, في باقي الفصول المعنوية(نصوص بيضاء- سير ذاتية- نصوص سوداء) ينقلنا خالد الناصري إلى بياناته الاعتراضية عن كل شيء, وثقته الدائمة بحبيبته رغم غيابها الأبدي يضعها بزنزانة الإغواء ويفتح أمامنا سككاً إلى كواكب أخرى من الموسيقا والعزف المنفرد في الشجن والوطن البعيد(فلسطين), يتحدث عن منفاه بنزق هادئ يعبر إلينا مرتلا (اثمر هنا. رائحتي موسيقا/ وصوتي كحول) وينادي حبه بنايات أحزانه وذكرياته المكللة بالشوق, يقول: ( عن اهتزاز نهدين تحت قميص أبيض, بياضه ذكرني بخراب أيامي), وأيضاً بكاء وحيد كل دمعة لا تعرف أختها وكل عين تبحث عن شيء يصدق فعلاً, العالم في أكثر بريقه أوهام ولحظة حلم بعيدة: ( سأنتحب: على سريري القديم على نساء خلبيات نمت في أحضانهن وبكيت).
خالد سليمان الناصري في هذه المجموعة يقدم رؤيته البسيطة عن العالم وعن أحزانه شعراً رؤيوياً وبطبيعة الحال يقول صدقت كل شيء كناية عن عدم إيمانه بشيء إلا الشعر, يوقع على خارطة الشعر بنزقه الخاص ويدخل بكيانه حقيقياً يشبه روحه.
الكتاب: صدقت ك
ل شيء- نصوص
المؤلف: خالد سليمان الناصري
الناشر: دار كنعان- 2009
