الشاعر فايز حمدان في (أقفُ بمريولٍ أبيض):يضغط على القطنة أو.. على الزناد!

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الأربعاء 12 آب 2009
عمر الشيخ

(الجسر الذي هجرتني/ حبيبتي فوقه/ تناسل في الشام/ إلى جسورٍ وطئةٍ/ ببياعين وشحاذين)
بهذه النكهة الشعرية الخاصة أطلق الشاعر الفلسطيني فايز حمدان صاحب (أولاد الجيران-2003) مجموعته الشعرية الثانية (أقف بمريولٍ أبيض)2009، الصادرة حديثاً عن دار نينوى الدمشقية، ضمن سهرة الإثنين 3/8/2009 في بيت القصيد – فردوس تاور، حيث تداعى حشد من أصدقاء الشاعر ومحبي الشعر من روّاد بيت القصيد، ليقف بينهم فايز حمدان معلناً تماسه الجديد مع التفاصيل وجغرافيا الأمكنة، متجاوزاً أشكال البلاغة عامةً، ليقدم نفسه هكذا على غلاف مجموعته نصف وجه بعين واحدة و ابتسامة حميمية تلهف نحو البياض.. بارتباكه ورجفة أصابعه يوقع للعابرين بخط كبير، شاملاً كل مساحة الغياب التي جعله الشعر يدفع ثمنها فقط من أجل بعض المتعة الروحية.


يتصفح الحضور المولود الجديد لتقرأ على إيماءات عيونهم قليلاً من الدهشة ونسيماً من الارتياح، هذه المجموعة التي شُغلت على بُعد التفاصيل والحدث اليومي، مُدخَلاً عليها أدوات مهنة الشاعر كطبيب أسنان، لتأتي المشاهدات بكولاج لغوي معاصر يشبه صاحبه بمزيد من الطرفة وقليل من التكليف. ‏
تذهب مجموعة فايز حمدان الجديدة إلى التكنيك السينمائي، لتصوير ماهية الأشياء بصراحة الأمل محضونةً في حقول من القطن والغيوم والذاكرة، بلعبة شعرية تنتمي إلى قصيدة النثر بامتياز، تتحرك معطياتها في فضاء دهشة علنية تتمثل بالالتقاط الصوري المسنود إلى خوارزمية لغوية تمسك معادلات النظام المعتاد وتقوم بخربطتها لتطلع قصيدة البياض عارية واثقة من تأثيرها، مقفلة ً بصراخٍ إنساني هائل مع لمسة فكاهة : ‏
(اضغط على القطنة جيداً/ وإذا استطعت/ على الزناد…). ‏
يناجي الذكريات رجل كبائن الهاتف الذي يتدفأ في الشتاء على صوت حبيبته القادم من هاتف شوارعي لا يعرف الحب لكنه دائماً يُشعره بالأمان، فقط لأنه يوصله بها، فايز.. الضائع على أرصفة الحنين في الأزقة الوحيدة المطلة على باب توما يكتب في الهواء: ‏
(أطلي بعينيكِ/ من نافذة الباص / وودعي آثارنا / على طول الرصيف/ الأزعر الذي يتحرش بك/ على موقف باب توما / قولي له: اخرس / حبيبي أستاذ مدرسة الزعران). ‏
ها هي مفارقات فايز يفردها برؤيته الخاصة ويتكتك الفكاهة المبطنة بقوالب السخرية، لتطل من عينيه فلسطين وتسكب بعض آلامها: ‏
(بياع فلافل / ويأكل الشاورما ../ فلسطيني يفجر الأحلام/ وغزة تنغل بالجواسيس) ‏
في قصائد “أقف بمريول أبيض” شظايا التعب والحياة تجتمع لتشكل مرآةً للآخرين، وفايز الشاعر يشع من بياض أرواحهم قصائد تشبه كلام الناس ولكنها لا تفقد حرارة الشعر ولو ربع درجة، كلام بسيط مرتكز على اللقطة والاستعارة الذكية المنتمية في مضمونها لأبيها الروحي الراحل العملاق محمد الماغوط، إلا أن أدوات فايز حمدان تشبه زمنه الآني.. بالتماس مع تلك الأبوة الفخرية يصنع الشاعرفايز عالمه المسحوق بالخيبات والمغامرات والفكاهة الفاجرة، لندور معه ونثمل بنشوة الضحك: ‏
(هي التي تستحم كل ليلة / وتضمّدُ بياض الجروح / أما جاري الناصح/ في الغرفة المجاورة/ أجرب ويحاضر بالنظافة). ‏
المكان وتفاصيله الرتيبة تيمة فايز حمدان الأساسية التي تطبع طقوس بياضه، وكما عبّر عنه الشاعر لقمان ديركي في بيت القصيد : ( فايز حمدان شاعر يقترب من الحقيقة كثيراً ..)، الحقيقة التي تنتمي إلى المكان أي الشاعر الذي يرصد شكل حياته عبر الأشياء الغائبة والملموسة.. المادية والتعبيرية.. الكلمات وأحياناً الموسيقا.. ‏
بين البيكادلي وسط لندن إلى ادجور رود و ايست أكتون حتى جسر الرئيس وساحة العباسيين والمتحف الوطني في دمشق الأزقة العاشقة في باب توما منعطفات ساروجا والبحيرات الفرحة في البيوت الدمشقية.. هكذا يفتح فايز بيئة المكان في آلية شعرية خفيفة الظل تستحضر اللحظة والروح والحب والقبل والمصاعد وبساتين الغوطة الناصعة ببياض مريوله المطرز من خيطان الحياة والمغامرة والعشق: ‏
(ساحة العباسيين تذكرني بعيادتي / من هنا مرّت/ من جنوب الدوّار عبَرت / وعلى جدار الكنيسة القريبة / تسلقنا تاركين الضحكات الخبيثة وقمصاننا / هنا على كرسي الأسنان/ قلعت فؤادي/ أنا الذي ظننتُ / لما غادرتني / أني قد حشوت سنها). ‏
هكذا بتلك الثقة يرمي فايز ذكرياته في عواصف الشعر فاتحاً أزمنته العتيقة وخيباته الغائبة، مستحضراً وجه ابنته ذاك الأمل الوحيد بعد طعنة أصدقاءٍ أحبهم رغم غدرهم: ‏
(في الجيل القادم / سأشتري لابنتي الكنديّة/ قصائد معلبة وكورن فليكس/ وحتماً / لا بد أن أنزع الطلقة الصديقة ‏التي أصابتني من :لخلف).‏

أضف تعليق