فيلم «نصف ملغ نيكوتين»:عندما يكون الشّعر لغة السينما

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الأربعاء 9 كانون الأول 2009
عمر الشيخ

يقدم فيلم (نصف ملغ نيكوتين) بتوقيع مخرجه وكاتبه السوري محمد عبد العزيز، تصويراً قاسياً لعالم الهامشيين ومسببات خطاياهم التي تكلفهم حياتهم في كثير من الأحيان.
حيث يسرد بلغة الفلاش باك بعض القصص الرمزية لشخوص من مختلف الأعمار والاهتمامات، ليدخلنا إلى تفاصيل بصرية تقود المشهد بأشد تعبيرية شعرية ممكنة متخذاً من صيغة الصورة تتكلم بقوة رافعة مدهشة لضبط قدرات الفيلم الفنية، بداية من المراهق زين الذي يعمل (ماسح أحذية) في شوارع دمشق يدخن بنهم ويتسكع مع صديقته الصغيرة فرح بائعة البوالين لتظهر لنا عوالم الأرصفة وما تحمله من خفايا لنزلائها، زين..الذي يحلم أن يصبح طياراً طموحاته لا تزال النابعة من أدوات تلميع أحذية الناس بكل الفئات الطبقية، يشاكس على أسطح البنايات بمرح، ويرسم أسماكاً للحب واللهو المرح.


نادين.. المرأة التي سيمتلئ منزلها العربي بعد شيخوختها بمئات التفاحات الموقعة باسم رمزي هو(تفاحة آدم) دليل استنزافها للرمق الأخير من أنوثتها في سبيل الانتقام، زين ونادين توصيف حقيقي لحالات الموت البطيء التي يعيشها الناس البسطاء فهما يسردان لبعضهما حكاية العابرين في الحياة الطارئة، هكذا تكمل الحكاية ريثما لتكشف لنا قصة الشيخ الذي يتحدث عنه زين بأنه يطير من جامع لآخر ويشاهد أجساماً نورانية كرمز على تقديس هذه النماذج في المجتمع رغم كل نفاقها، هذا المتصوف الذي أراد أن يرسم الذي رسمه ولكنه أصيب بالعمى التام، لكنه حاول أن يمنح البصيرة لابنته العاشقة أروى ذات النقاب المحتشم والقلب الرقيق ومحاولة إخراجها بطريقة شبه معاصرة من نيران حبّ الرسّام المسيحي كمال الذي التقاها مصادفة منذ سنتين على درج من حواري دمشق، يتعرف على والدها ويأخذه يومياً على مدى سنتين أثناء مواعيد الصلاة من وإلى البيت ليتحدث بحجته إلى حبيبته أروى سراً، هؤلاء الثلاثة (الشيخ وابنته أروى والرسّام كمال) تربطهم حكاية تفاهم الأديان وصعوبة الوقوف إلى جانب مفارقة الزواج لعاشقين من دينين مختلفين يحملان في روحيهما مصداقية رهيبة للحب العذري، ‏
شخوص الفيلم تربطها أحداث درامية غريبة و مختلفة تعتمد التصعيد والمكاشفة لأحوال التبدل الاجتماعي الذي يطرأ على ثيمة الشخصية من تأثيرات نفسية ضاغطة أو حوادث قدرية مفاجئة تعدم الإجابة عن أكثر المحاور الإشكالية لفكرة الفيلم، وتقدم تفنيداً نهائياً لأحوال أولئك المظلومين الذين يدخنون بهوس الموت التدريجي ولو بنصف ملغ نيكوتين فوري.. ‏
نادراً ما تقدم السينما السورية رصداً فكرياً لرؤيا معينة بمفردات الواقعية السحرية ذات النطاق الشعري الموصول بتقنيات بصرية معاصرة ومختلفة، وعليه فإن القيام بمثل هذه التجربة يحتاج إلى أرضية ثقافية مكونة من تراكم تاريخي منقلب على اللوغوهات الثابتة للموسيقا والنص السينمائي والعدسة المدهشة لتقديم شريط بصري مملوء بالتفاصيل الجمالية التي تستفيد من اتساع الشاشة السينمائية بأسلوب رمزي يعتمد الخطاب الذهني والباطن الإنساني المتقد بحرارة الروح، والصورة هنا عامل تحريضي للكشف والبحث عن المغزى الإنساني لحشر كل تلك التفاصيل بلقطة عمرها أجزاء من الثانية.. ‏
هذا ما يحيلنا إلى طرح سؤال: هل يستطيع شعر الومضة أن يصنع سينما؟ أعتقد ذلك لأن الصورة الشعرية المعاصرة عندما تصبح حاملاً أساسياً لدلالات الهموم الاجتماعية التي تتعارك في قاع إيديولوجي متخبّط، هذه الرمزية التي تلعب في شرح تفاصيل الحكايات دوراً أساسياً يضم خيط التماسك الصوري ويقودنا إلى مكاشفة نهائية للأسئلة الصعبة التي تطرحها الحياة على عاتق أبسط تفاصيلها وأقل سكانها حظاً وسعادة، وعليه فهذه المحاولة للدخول إلى تلك العوالم المخيفة لتلك النماذج إذاً هي أحلامهم في الحصول على حياة حرة خالية من هواء الحزن ودخان الكوابيس، و الشعر البصري المصوّر بالمشاهد الطويلة المحمولة على موسيقا تصويرية تستفز العاطفة يجسد تلك الهواجس بأقل تكلفة للمنتج المستهلك بصرياً في السينما السورية. ‏
إذاً هاهو المخرج محمد عبد العزيز يقدم رهاناً جديداً على سينما مختلفة بلمسات الشباب، ويترك جملة مفارقات برسم النص البصري ذي الملامح الشعرية الجديدة، الفيلم من بطولة: (خالد تاجا- مي سكاف- عبد الفتاح مزين- زين حمدان- سهاد الصاري- رهام عزيز) ‏

أضف تعليق