صحيفة تشرين
الثلاثاء 24 آذار 2009
عمر الشيخ

ترى كيف وضعت «احتفالية دمشق عاصمة الثقافةالعربية 2008» معاييرها في اختيار صورة المشهد الشعري الراهن خلال الثلاثين عاماًالأخيرة، وكما ذكرت الشاعرة «رشا عمران
التي تولت اختيار تلكالنصوص أن هذه الأنطولوجيا لم تخضع لمعايير نقدية أحادية ومسبقة، بل كان ثمة معيارحداثوي وضعته الشاعرة «عمران» بـ(معيار جمالي حداثي)! ترى ماذا كانت تقصد من تلكالحجة اللغوية في إسكات آراء المتابعين للمشهد الشعري؟ أهو ردّ مسبق عن جملة أخطاءظهرت في تلك الأنطولوجيا؟ سنستعرضها بكل مصداقية وهي برسم القراء.
المقدمة النقدية التي وضعهاالشاعر «خضر الآغا» تعدّ بمنزلة فاتحة شعرية ربّما تهيئ المتلقي للدخول إلى «فوهةالهاوية» الخاصة بإغواء اللغة الشعرية، ولكن المقصد الحقيقي لتلك المنحدراتالفلسفية هو بالخط العريض «مقدمة تقليدية تقف على عتبات النقد»، بمعنى أدّق هي «كليشيهات» جاهزة من حديثه عن فترة النهوض الإيديولوجي، مروراً بارتباط الشعراءبالأحزاب القومية واليسارية حتّى مأزق شعراء السبعينيات الذين همهم كما رأى «الآغا» أنه بالدرجة الأولى سياسي قبل كل شيء،وهنا ثمّة مغالطة واضحة مع أهم التجاربالشعرية لأسماء أمثال (بندر عبد الحميد وسليم بركات ومنذر مصري وعادل محمودوآخرين)، ووصولاً إلى شعراء الثمانينيات وما بعد الذين يعتقد «الآغا» بأنهم أصحابنص موحش وجديد، وبذلك فإن «الآغا» يبرئ نفسه من ورطة الإجحاف بحق الكثير من الشعراءالمغيبين عندما يقول: (المواصفات التي أسبغتها على النص الجديد لا تشمل بالضرورة،كافة النصوص المختارة في هذه الأنطولوجيا،ثمّة نصوص لن يجد القارئ فيها شيئاً مماذكرت).
والكلام برمته يقودنا إلىمرجع أسماء الشعراء حسب الترتيب الأبجدي الذي أعدّته الشاعرة «رشا عمران» خلالالفترة من 1980 حتى 2008، هنا لا بد من مكاشفة حقيقية تلقي الضوء على الأسس التيارتكزت عليها الشاعرة «عمران» في اختيارها، حيث غيّبت شعراء عن الأسماء والمختاراتمعاً، أمثال الشاعر «طارق عبد الواحد» الذي أصدرت له وزارة الثقافة مجموعة شعريةبعنوان «نهايات» عام 2003، و الشاعر «محمد رشو» له مجموعتان أو أكثر ولكن ما حصلناعليه هو مجموعة«عين رطبة» الصادرة عام2005، والشاعر «فايز حمدان» الذي أصدرت له دارنينوى مجموعة شعرية عنوانها «أولاد الجيران» عام 2003 ومجموعة أخرى قيد الطبعبعنوان «أقف بمريولٍ أبيض» نشر قصائد منها في ملف تشرين الثقافي.
ولو توسعنا قليلاً في خارطةالبحث عن أسماء الشعراء المغيبين، سنجد شاعرات سوريات أيضاً تم إغفالهن نذكر منهن: الشاعرة «لينا تقلا» التي صدرت لها مجموعة شعرية بعنوان «التغلغل في شرايينالكلمات» عن دار علاء الدين عام 1996 ،ومجموعة شعرية للأطفال فازت بجائزة الشارقةللإبداع عام2002بعنوان «للأطفال قلبي» ،أيضاً الشاعرة «ميسون شقير» أصدرت مجموعةبعنوان «اسحب وجهك من مرآتي» عن دار بعل.
هكذا وبالمصادفة التيجمعتنا في بيت القصيد في الفردوس تاور مساءً، كانت مختارات الأنطولوجيا حاضرة فيالحقيبة، وبينما كنت أتصفح أسماء الشعراء الذين جمعتهم الأنطولوجيا في مقدمتها،غابت أسماء شعراء حاضرين في بيت القصيد ولهم مجموعات شعرية، وقراءات متعددة يعرفهاكل من قام بإعداد الأنطولوجيا واختيار شعرائها، هذه الأنطولوجيا التي كتب علىغلافها الأخير«أنها مرجع شامل للشعر السوري »، وأهم الأسماء التي كان لها تأثير فيهذا الشعر تعرف هؤلاء الشعراء الذين أقصوا بأسمائهم ومنجزاتهم الشعرية، وعلى ذلكخطر في بالي سؤال أحد هؤلاء الشعراء الحاضرين في بيت القصيد و هو«إياد شاهين» الذيأصدرت له دار التكوين مجموعة «كورتاج» عام 2003، وقد لفت الأنظار لشعره من خلالقراءاته في بيت القصيد، ولكن هل لأن «إياد شاهين» طبيباً ولا يهمه المنابر التييطبل ويزمر لها الكثير من فقاعات الشعراء، ذلك قادني أيضاً إلى الشاعر والطبيب «فايز حمدان» الملقب في بيت القصيد بـ«دوق جوبر» لأسال: لماذا لم أعثر على اسمك فيالأنطولوجيا التي اختارتها «رشا عمران»؟، أجابني ضاحكاً : أنا شاعر من البرتغالووزني خفيف، انسَ..انسَ، ما يشغلني الآن كيفية تخدير وتكييف مرضى القلب والضغطوالبدانة و العصاب.
إذاً يمكننا بعد تلكالمكاشفة مع أصحاب المنجزات الشعرية المغيّبة أن نحدد ما هي معايير اختيار النصوصالمشاركة، وسأضطر لاختيار مقطع شعري لا على التعيين من الأنطولوجيا مثلاً: (لتعرفني / عليك أن تلمس البحر أولاً/ كتبت له/ ولا تسمني الموجة/ أو برق الموجة/لا تسمنيشيئاً / عليك أن تعرف مذاق ذاك الملح/ حين ينفصل الزبد عن فجره/ بينما ظلي يحاولأشكالاً عديدةً/ كطريقة في إغوائه للرمل) ص264، وسنقارنه من الناحية الجماليةالحداثية كما سمّتها «رشا عمران» مع مقطع شعري منشور في ملف تشرين الثقافي للشاعرفايز حمدان: الدمشقية المتشاقرة/ مازالت تمشي كل غروبٍ/ فوق جسر الرئيس/ هي/لا تريدإلا رائحة المسافر/ وريش غربان ٍمتطاير/رغم أن المدرسَ الإنكليزي/ المسافرأبداً/الغريب دائماً/يخطو ببطء/على الرصيف الآخر للجسر/يقرأ شعراً عن السّود/للوسيلكليغتون/ ويحلم بإيرلندا النظيفة)، هذه المقارنة مجرد لفتة عن الحداثة والمكرورالتي تحدثت عنها «رشا عمران» في تقديمها لهذه الأنطولوجيا.
بعيداً عن التهميش المباشرالذي أشرنا إليه بتفاصيل كثيرة، سنكتشف أن هناك مفارقات واضحة خلال جملة الأخطاءالمرتكبة أثناء إعداد الأنطولوجيا، من معلومات عن الشعراء،وتشويه في عناوينمجموعاتهم، وإقصاء الكثير من إنجازاتهم، مقارنةً مع شريحة معينة ذكرت كل المعلوماتالمطلوبة وغير المطلوبة عنهم، بوصفها انطولوجيا للشعر لا للروايات والقصص وماشابهها!.
وفي قراءة جادة لكاملالانطولوجيا وجدنا أخطاءً مخزية منها: مثلاً نبدأ باسمها «رشا عمران» حيث دونت فيسيرتها الذاتية المختصرة أنه صدر لها مجموعة بعنوان «معطف أحمر فارغ 2009»، ونتساءلأين هي المجموعة وعن أي دار صدرت رغم أن الأنطولوجيا لسنة 2008 فقط !!.
والشاعر «محمد عُضيمة» كانله نصيب من اللامبالاة، ففي سيرته الذاتية غياب تام لآخر ثلاث مجموعات شعرية وهي «لا،لا لن أعود البيت ـ يد مليئة بالأصابع ـ شكراً للموت» وجميعها صادرة عن دارالتكوين، كما كان اختيار قصائد «عُضيمة» لا يمت بصلة لتجربته الشعرية بشكل ناضجوحقيقي، كما لو أنه «رفع عتب!!».
والشاعر محمد فؤاد أيضاًتعرض لنسف العنوان في مجموعته من «قال بيدبا» فتحولت إلى (هكذا تكلم بيدبا)، سؤاليطرح نفسه هل اطلع فريق الأنطلولوجيا على مجموعته أصلاً!!.
وفي السياق نفسه بشأنالمجموعات التي لم تطبع أخبرني الشاعر خالد الناصري أن «رشا عمران» طلبت قصائد لهمع سيرة ذاتية لانطولوجيا تخصّ الشباب، فكانت المفاجأة أنها نشرتها في هذهالأنطولوجيا ولكن مع خطأ فادح هو تشويه عنوان مجموعته الشعرية «صدقت كل شيء» التيلم تطبع بعد إلى عنوان مزاجي اختارته «عمران» هكذا على هيئتي وذكرت أنها صدرت لهعام 2009 ، وكما عبر الشاعر «الناصري» عن عدم سعادته لوجود اسمه في الأنطولوجياالمذكورة، حيث قال: أنا لم أبق في السويد كي أحافظ على هويتي الفلسطينية هنا فيسورية!! هذا غبن يرتكب على حساب الشعراء السوريين و الفلسطينيين المولودين فيسورية، ورشا قدمت لي هذا المعروف المزيف كي تصحح موقفها عندما رفضتني في مسابقةاحتفالية العاصمة للشعراء الشباب وكانت ممثلة لجنة التحكيم في حديثها معي، هذاالموضوع خلق التباسا، فقد ورد اسم شاعرين فلسطينيين ضمن المختارات هما «رائد وحشوقيس مصطفى»، فإذا ارتأت «رشا عمران» في اختيار شعراء فلسطينيين فهناك تجارب شعريةأهم وأنضج بكثير مما خضع لمزاجها، كان عليها أن تسأل اتحاد الكتاب والصحفيينالفلسطينيين فهو على بعد دقائق من «مقهى الروضة»، هذا عدا عن موضوع الهويةالفلسطينية الذي لا أودّ التشعب فيه!
وهنا عينة من الشعراءالمغيبين عن الأنطولوجيا استطعنا الوصول لها وهم (خيري عبد ربه ـ منذر يحيى عيسى ـطلال نصر ـ علي الطه ـ رضوان حسن ـ خالد درويش ـ ميشل سابا ـ ياسر شرف ـ فريد عقيلـ عبد الحميد مراد ـ نادر عاشور – خالد مظلوم ـ فاطمة حداد ـ منى غزال ـ نايف قدورـ نبيه شعار ـ كوثر شاهين ـ زهير غانم ـ سعيد سالم ـ فايز موصلي ـ أنور سالم سلوم ـعبد المنعم الرحبي وآخرون.(
كان المتوقع من فريقالاحتفالية برمّته أن يؤسس لموضوع الأنطولوجيا بشكل جدي أكثر، أي أن يشكل لجنةمؤلفة من عدّة شعراء ونقاد مكرسين، وتخديم موقع الاحتفالية الالكتروني بهذاالمشروع، حيث كان بالإمكان فتح صلة وصل بين الشعراء والمطلعين وبين معدّيالانطولوجيا، لتبادل الملاحظات والمعلومات بشكل موسع ودقيق للغاية. تقتضي الأمانةالحيادية والموضوعية في البحث في المكتبات الرئيسية وفي المركز الثقافية بشكل عام،ومراسلة دور النشر على الأقل دور النشر المعنية بنشر الدواوين الشعرية، والاعتمادعلى النسخ الورقية المطبوعة عن طريق الشاعر شخصياً ودور النشر والمتابعين للمشهدالشعري، وهنا لا حجّة لرشا عمران أن الشاعر لم يرسل لها قصائده فهي من مهام المعدينطبعاً.
هذا هو الجزء الرابع منأنطولوجيا الشعر السوري من1980 حتى 2008،يحق لي كقارئ لا أكثر أن أطرح وجهة نظري عنهذا المشروع المشوه كثيراً، وما طرحناه مجرد رؤيا واقعية وهي برسم القراء على كل حال.
