«مثل الكذب» على خشبة القباني لعدنان أزروني تكوينات ارتجالية في شخصيات جاهزة.!

عمر الشيخ
النهضة 512

من مسرحية "مثل الكذب"
من مسرحية "مثل الكذب"

(نحن ولاد هون) لعلها عبارة ملفتة تركها عدنان أزروني مؤلف ومخرج مسرحية (مثل الكذب) التي عرضت أخيراً على مسرح القباني في دمشق، وهي عمل ارتجالي يحكي قصة صدفة تجمع بين غانية في أحد الملاهي الليلية مع سائح أجنبي، حيث تقيم هذه الغانية في منزل تستقبل فيها زبائنها من رواد الملهى وعابري السبيل لتتاجر بجسدها مقابل مبلغ من المال، روح النص قادمة من معاصرتها للأحداث الاعتيادية التي لا يتصور المتلقي أن تتحول في لحظة ما إلى نص إنساني صالح لخشبة المسرح.
فكرة العمل تجسد واقعاً معاشاً لفتاة ليل تعيش انكساراتها اليومية مع مجتمع ذكوري، إذ تصادفها الأقدار بشاب أجنبي (جوان) أي الفنان أديب الصفدي، وقد اصطادته من أحد الملاهي، في البداية تحاول تلك المرأة المدعوة (جمال) أي الفنانة لمى حكيم أن تستفيد من السائح بإعطائه إحدى غرف منزلها مقابل مبلغ من المال يتضمن تكاليف الإقامة، بالإضافة إلى كميات الحنان التي سيؤمنها جسدها لزائرها الطارئ، إلا أن الشاب السائح مع الأيام يرفض أن يكون عابراً ويصر على أن تتوقف عن عملها كبائعة هوى وأن تتفرغ لأخذه سياحة ضمن المناطق الجميلة في بلدها، توافق جمال ولا تدري رغبة الشاب الأجنبي بتغييرها من الداخل وقولبتها كما يريد، لكنه في نهاية الأمر يكتشف أنها بنت ثقافة مختلفة كلياً عما يطمح له ويقرر بعد أن تنشأ علاقة حب بينهما أن يغادر، ترفض (جمال) الذهاب معه ومن خلال خط سير العرض تكشف المرأة عن وضعها الاجتماعي الذي تعيشه المرأة عادة في بلدنا، وكيف تواجه معاناتها وتهرب منها جراء مجموعة من الظروف والعادات والتقاليد التي قلبت حياتها، يتصعد الحوار بينهما كاشفاً عن نقاط اجتماعية وحياتية تمثل معاناة (جمال) وصولاً إلى نقطة النهاية التي تؤكد على جوهر الاختلاف الاجتماعي الذي يحكمهما والذي تشعر به (جمال) وكأنها كذبة، على الرغم من تيقنها أنها ابنة البلد رغم كل الإحباطات التي تواجهها.
جاء إطار العرض العام ضمن تركيبة كوميدية تعتمد على كوميديا الموقف والإيقاع السريع الذي يلفت انتباه المتلقي ويجعل من دهشته محوراً محتكاً بمباشرته مع انفعال الممثل وهو يسرد جمله المتناغمة ببساطة وذكاء، إلى جانب إيقاع الموسيقا المنوع والغني في بداية العرض وخلاله، شكلت الموسيقا مع إيقاع الأداء السريع الذي تفادى وقوع المتلقي في دائرة الملل وتركه يتعايش مع حماسة نوعية قادتها قدرة بطلي العرض على حملها وتبنيها بدقة..
لعب المخرج على النفس الشبابي في بناء مشاهده عبر تلوينات متنوعة خدمت رغبته في تقديم أزمنة خاطفة عبر مسار إضاءة يتغير من خلالها عمل الممثل وفق شرطية وضعت كلاً من بطلي العرض في مجموعة من الأدوار التي جاءت عبر كاريكترات ساخرة مليئة بالحيوية استطاعت حمل الأفكار المادية بعفوية للجمهور.
جاءت خطة المخرج للتحكم في ديكور عرض (مثل الكذب) مبنية على قطع الديكور الشرطية لتقسيم الخشبة إلى مايشبه منزلاً متعدد الأبواب والنوافذ والحجرات، مضيفاً الصور الفوتوغرافية إلى شاشة عرض في فضاء الخشبة من أجل الانتقال بالمكان المسرحي الواحد إلى أماكن خارجية من مدينة دمشق وبقية المحافظات السورية..
نص الارتجال لدى الأزروني مزيج من بعض التهريج وشيء من الإفيهات التي يحترفها ممثل المسرح، إذ نتلمس حشواً لا بأس به في جملة ما قيل من حوار، ولكن عفوية الرصد البصرية لأولئك الطبقات المسحوقة من المجتمع تبدو بيئة ملائمة لكشف خفايا المجتمع، فالمرأة في هذا العرض كانت محوراً رئيسياً يمر على كل الأحداث ويتحكم إلى حد ما بمصائر وأقدار شريحة واسعة من الناس مقابل جسدها، هذا الثمن الذي أكده المجتمع المعاصر اليوم يتداعى أمامنا على شكل نص كوميدي يرصد وحشة فتاة الليل التي يطلق عليها الناس النار ويتهمونها بكل شيء قبيح، ولكن في الجهة المقابلة نشاهد كيف يعري المجتمع نفسه ولو من خلال شخصية متفتحة ومثقفة كما يدعي الناس.. شخصية قادمة من (بلاد برا) تحمل التصورات السلفية لواقع الناس هنا ومدى حاجتهم للمال وللسفر، وهذا ما ظهر في خاتمة العرض حين أخبر السائح فتاة الليل بضرورة رحيله عن هذه البلاد التي تدور كما يدعي في مكانها، وهنا برر لنا المخرج وضع الكرسي في عمق الخشبة ليعبر بين كل مشهد وآخر عن الواقع الذي يدور هنا على أرضية الكذب وأن التعساء هنا يدورون في أحلامهم وفي مكانهم دون أن يلمسوا سعادة تذكر..
مثل الكذب.. عرض بحاجة إلى غربلة فيما يخص تكوين الشخصيات التي ظهرت وكأنها جاهزة للأداء وحسب، دون أن يعرف بها للجمهور من خلال مونولوجات متداخلة عن طبيعة كلا الشخصيتين النفسية والاجتماعية المرتبطة بالذاكرة والأحداث القريبة من لحظة الحدث على الأقل، كيف اصطدمتا مع الواقع اليومي هذا؟ وما سبب وصولهما إلى تلك التركيبة التي جعل من صدفة لقائهما مادة لمسرح الارتجال الساخر بنكهة الكوميديا السوداء.

أضف تعليق