حوار عمر الشيخ
النهضة

شاعر بمريولٍ أبيض يتجرأ ويكتب نفسه بعيداً عن التقاليد الشعرية، يكتب أي بياضٍ قد تصادفه عيناه بلغةٍ لا تخلو من التفكّه والكلام البسيط الخارج فوراً من أفران الحواس اليوميّة التي تدوّن القليل من القصائد وتترك هذا الشاعر يعيش الكثير من الشعر في أمكنة الذاكرة والمدن.
فايز حمدان طبيب أسنان وشاعر في أوقات الفراغ، صدرت له مجموعتان شعريتان هما (أولاد الجيران 2003- أقف بمريول أبيض 2009) ينتمي إلى الجيل الجديد من شعراء قصيدة التفاصيل اليومية، يناجي الذكريات رجل كبائن الهاتف الذي يتدفأ في الشتاء على صوت حبيبته القادم من هاتف شوارعي لا يعرف الحب لكنه دائماً يُشعره بالأمان، فقط لأنه يوصله بها، فايز.. الضائع على أرصفة الحنين في الأزقة الوحيدة المطلة على باب توما.. (النهضة) التقت الشاعر الفلسطيني فايز حمدان وأجرت معه اللقاء التالي:
– الصورة تحضر بحذافيرها وتشويشها، في قصائدك، هل تحوّل الشعر إلى صورة؟..
ألجأ إلى صورة مباغتة ألتقطها من مشهد عابر ومألوف، تفاجئ القارئ تماماً كما فاجأتني من السطر الأول في القصيدة، أو أنتقل إلى مقطع شعري آخر عبر صورة شعرية تبدو للوهلة الأولى وكأنها ليست استمراراً للصور التي قبلها. أعتقد أن الصورة الشعرية هي البطل الذي تبنى عليه القصيدة، هذا كله يساهم في بناء معماري مختلف يكسر أو يتجاوز ما هو مألوف، إنني أحاول خلخلة السائد والمستقر ولو قليلاً والعبور بالقصيدة إلى مطارح بكر.
في مجموعتي (أقف بمريول أبيض) حاولت أن أقترب من التكنيك السينمائي باستخدام المونتاج عن طريق تلاحق الصور خلف بعضها مع شيء من التخييل بواقعية يكتنفها بعض الغموض والدهشة، وأيضاً من الفن التشكيلي وخصوصاً فن الكولاج وذلك عبر تكرار المقطع الشعري بتغيير بعض المفردات أو حتى اللون حيث أنتقل من الأبيض إلى الأزرق.
– فن الكولاج شعراً! ألا تجد ذلك معقداً قليلاً؟
– الشعر والموسيقا والسينما والفن التشكيلي فنون تتأثر ببعضها، سأعطيك مثالاً عن كيفية تكرار المقاطع التي أدعوها كولاجاً: (أعطيه الوصفة/ ثم / أقف بمريول أبيض) أمّا في مقطع آخر: (سوف أجرب/ أعطيه الوصفة /ثم /أعبر بمريول أزرق) وفي مقطع ثالث: (من خلف مكتبه/ يحدد موعداً آخر/ ويضحك يمريول أبيض).
– هل تعيش كشاعر بوصفك طبيب أسنان؟ وكيف تتعامل مع المحيط الاجتماعي؟
– أكتب الشعر من موقع الهاوي وبالتالي المحب، أدفع فاتورة الشعر وأنا مرتاح دون كراهية أو أحقاد، أهدي المقاطع الشعرية ولا أتلصص على الشعراء، أجرب وأستمتع، الشعر لا ينتظر منك منافقة النقاد ومساطرهم الدقيقة، هذا الذي يكتب ويقبض من هنا وهناك، يصرف على عائلته أو حبيبته وبفضل مجموعة شعرية أو مجموعتين وأحياناً بضع قصائد أصبح محرراً أو رئيس قسم ثقافي لا أعرف لماذا يتذمر ويتأفف من الشعر!؟ عليه أن يشكر الشعر صباحاً ومساءً.!
أمّا بخصوص معايشتي للمحيط الاجتماعي، أحياناً أذهب بمغامرة التجريب الشعرية إلى حدها الأقصى -على الورق طبعاً- وفي أحيان أخرى لا أكتب الشعر بل أعيشه وهذا شعر أيضاً لكنه مرئي أحياه مع الناس، مرة في العيادة مع المرضى، وأخرى في وسائط النقل والسينما والمتحف والرصيف، وأحياناً مع شعراء قرؤوا قصائدي والآن يشاهدونها، أظن أنك شاهدت إحدى قصائدي عند مقهى رصيف فندق (فورسيزنز) ثم غادرنا الطاولة ومن عليها باتجاه جسر الرئيس.. أنا في عيادتي طبيب أسنان، أحفر وأحشو وأقلع، لقد أصبح الشاعر شبهة، لكنني أتعامل مع مرضاي بطريقة شعرية، أعيش معهم القصائد ولا أقرأها، أمّا إذا كان مريضي من أحد الشعراء، (يا ويلي يا عمر أكلناها) سأصرخ أنا والمرضى جملة صديقي د.محمد عُضيمة الشهيرة: (شعراء.. شعراء.. اهربوا يا شباب!).
– لماذا الشاعر شبهة؟
– الناس ينظرون للشاعر كعاطل عن العمل، وهذا يقترب من الحقيقة إذا اعتبر الشاعر مهنته هي الشعر! أنا لا أقول إني شاعر لأن المريض يعنيه طبيب الأسنان وليس الشاعر، المريض يأتيني لتسكين آلامه، هنالك فجوة كبرى بين قصيدة النثر الجديدة والناس، العالم يجتاحه مد ديني وتطرف ظلامي، الشعر لا ينمو في بيئة كهذه، أمّا إذا كان المريض قارئ شعر فسوف يقرأ شعري..
– هنا ماذا بشأن استخدامك لمفردات مهنتك؟
– عملي في العيادة يشغل حيزاً من وقتي هذا يتم وأنا أقف بمريول أبيض، يومي مملوء بالمرضى والأسنان.. بطبعات الألجينات وجسور الخزف.. برائحة الأوجينول والقلع لكن الدم ليس يومياً في عيادتي، طبعاً لن تجد البحر والنوارس والزبد ولن تجد العليق والتين المجفف في شعري.
– «أقف بمريول أبيض» مجموعة تذهب نحو الذاكرة، متى يقتل الشاعر ذاكرته ويصبح حراً؟
– ذاكرتي هي ذاكرة فلسطينية، لكن ليست ذاكرة مقاومة بالمعنى التقليدي، هي ذاكرة لأناس من لحم ودم، يحبون ويكرهون.. يتصارعون ويحلمون.. هي ذاكرة لبشر يَقتُلون ويُقتَلون وللآن ما زالوا مظلومين، هي ذاكرة أماكن ومدن لم أرها مجبراً، ذاكرتي هي أيضاً ذاكرة دمشقية حياتي كلها هنا. فخورٌ بذاكرتي ولن أقتلها، حرٌ بانتقاء ما أريد منها ثم زجه في قلب القصيدة.
– إذاً ذاكرتك دمشقية، هل لدمشق (المكان) أثر خاص في قصائدك؟
– أنا مفتون بالمكان بكل ما فيه من جماليات، حدائقه.. شوارعه.. أرصفته.. أصوات الباعة.. وجوه الغرباء والحديث العابر.. الجوامع والكنائس.. إشارات المرور.. الضوء الأخضر الأحمر ثم البرتقالي.. نهار وليل العاصمة حتى ضجيجها وتلوثها الذي يخنقني، قسوتها أحياناً، كل ذلك تجده حاضراً في قصائدي. أنا مدين للعاصمة دمشق. أعتقد أني مولع بالمكان لأن بلدة أبي وأمي في فلسطين هي بلدتي فقط في الخيال.
– الآن كيف تقرأ قصيدة النثر هل أصبحت هايكو أو ومضة، ما هو الشعر بالنسبة لك؟
– مازالت قصيدة النثر موجودة بكل تنويعاتها، الغنائية والشفوية والميتافيزيقية والرؤيوية، قصيدة السرد وما يسمى شعرنة السطح، الحداثية وما بعد الحداثية.. إذا قصدت جودة قصيدة النثر فإنها تقاس بمدى شعريتها، بمدى صدقها وحرارتها وحقيقيتها بعيداً عن الشكل الفني.
الشعر بأحد أشكاله وهم والحياة بلا أوهام باهتة وقاتلة، لا أحد يستطيع أن يتعافى من الأوهام، والشعر أيضاً طفولة يقول العرب: (أعذب الشعر أكذبه) أمّا أنا فلا أكذب لا في الحياة ولا في الشعر، على الورق أنا حر تماماً أستفز كل حواسي وأفتح العدسة أقصى ما أستطيع، قصيدتي تشبهني فيها روحي وصوتي لا صوت الآخرين فيها شغبي ولعْبي وطفولتي.. تهكمي وعبثي.. أستطيع أن أقول: أنا شاعر شوارعي، قصائدي طالعة من قاع الحارات والحدائق العامة، الإشارات الضوئية وصالات السينما.. الراقصات والنوادي الليلية تفوح من قصائدي.
أبغض الشعر الملتزم ولم أقرأه إلا في المناهج المدرسية، أكتب عن الغرباء والمارة وأعشق الرقص والدبكة، أمّا إذا كنت تقصد وجهة نظري تجاه كتابة القصيدة فهي عدسة تلتقط ما تريد من الأشياء ثم تعيد إنتاجها ببعد معرفي، لذلك تجد قصائدي تقترب جداً من الحقيقة بلغة تبتعد عن البلاغة والرطانة وتقترب جداً من حرارة الكلام، شعر حسي تُنسج جملته الشعرية من مزيج من الواقعي والغرائبي لتساهم في بناء قصيدة غير مألوفة، صادقة وصادمة.
– هناك سجال يدور حول التراث الشعري والنص لحديث، ما رأيك في ذلك؟
– هل عليّ أن أعيد قصائد أسلافي وأستخدم مفرداتهم وبحورهم وتفعيلاتهم، مجازاتهم واستعاراتهم؟ لو ظهر المتنبي الآن لما كتب عن الخيل والسيف والرمح، ستجد قصيدته قد امتلأت بالمترو والسيرفيس والعاصمة، ولكتب شعراً عن حبيبة بجينز أزرق أو طبيبة بمريول أبيض، يا صديقي: (شاعر وأصولي ما بتركب معي!).
– الأيديولوجيا لحقت بك في مجموعتك الأولى، هل تعتقد أنك تخلصت منها في ديوانك الثاني؟
– أنا لا أتفق معك، قصائد مجموعة (أولاد الجيران) ذاهبة للعابر واليومي متخففة من الأيديولوجيا والبلاغة ونبرتها خافتة، هي سليلة ما قرأت من شعر حسيّ عربي أو مترجم دون أن تظهر تأثيراته، لقد سعيت أن تكون المجازات أو الاستعارات بحدودها الدنيا، وإن وجدت فسيكون لحضورها لذة الطزاجة ومتعة الاكتشاف، باعتقادي كلما تغلبت على المجاز والاستعارة والتشبيه اقتربت من صوتك والتصقت به، وإذا أردت تستطيع أن تُطَعّم القصيدة بحروف العطف والجر بضمائر الغائب والمتكلم، في الثلث الأخير من المجموعة خاصة قصائد (مجرد أسماء) رسمت بورتريهات شعرية لرجال ونساء بأسمائهم، بورتريهات هي خليط من شغب يشتبك في الواقعي بالسوريالي، هنالك مشاكسة واضحة.
– من هم آباؤك الشعريون؟ وهل تحاول قتلهم أم هضمهم؟
– في مرحلة الشباب الأولى كنت قارئاً نهماً لمحمود درويش وتأثرت به، على أبواب الجامعة وبداية نضوجي الشعري بدأت أتخلص تدريجياً منه وأطل على نوافذ شعرية أخرى لكن مرة أخرى كنت أسير الشعر المترجم (ريتسوس وكفافي) أسير محمد الماغوط ودواوينه الثلاث الأولى، نعم سجينهم وبمتعة، حاولت أن أقرأ أدونيس، كلهم يقولون اقرأ أدونيس (أدونيس يا أخي شغلة) في مكتبة الأسد تحديداً وضعت مجلد الشاعر أدونيس على الطاولة، بدأت القراءة ما أتذكره الآن جمل غيبية وصور ذهنية ثم وصلت إلى عنوان (زهرة الكيمياء) وهذا يذكرني بـ(أزهار الشر) للشاعر الفرنسي بودلير، قرأت قليلاً ثم عدت وتأملت العنوان، قلت في نفسي: ما هذا العنوان؟ (أنا بعرف زهر المشمش والدراق) خارج مكتبة الأسد، على سورها وسور الحديقة المجاورة كانت تنتظرني أزهار الياسمين البيضاء برائحتها الزكية. ما يسمى الشعر الخالد لا ينسجم مع مزاجي، لا أكتب وأنا أفكر بل وأنا محموم، من حرارة هذه الحمى تتفجر الصور الشعرية وعندما لا أجد الوقت الكافي للكتابة: (أنا عيّاش شعرٍ ينثر قصائده على الناس..)
ولكن يمكنني أن أقول بالمحصلة إن قصيدة النثر الجديدة ابتعدت جداً عن الماغوط، هضمت أكثر من نصف قرن من التراكم الشعري.
– لكنك تكتب قصيدة تفاصيل يومية قريبة من جو الشاعر محمد الماغوط؟
– السرد عند الشاعر محمد الماغوط تقليدي، أنا أعمد إلى خيار السرد، لكن أبتعد ما أمكن عن السرد الطويل ولغة الثرثرة، أستخدم صوراً حسية خاطفة وسريعة تؤسس لسرد أعتقد أن فيه شيئاً من الخصوصية، كما أنني أكتب قصيدة ليس فيها تمنٍ وأدوات نداء وقد تجاوزت (كاف الماغوط) ورعبه وصراخه العالي حيث الأرض الخصبة لأسلوبه المعروف.
الشاعر الفلسطيني فايز حمدان لـ(النهضة): أنا شاعر شوارعي قصائدي طالعة من قاع الحارات والحدائق العامة
0
