دمشق
صحيفة تشرين
الملف الثقافي
الثلاثاء 3 آذار 2009
عمر الشيخ

بمناسبة ذكرى رحيل الشاعرة « أمل جراح» اصدرت الهيئة العامة السورية للكتاب بالتعاون مع دار البعث للطباعة والنشر( مختارات شعرية) صدرت ضمن الكتاب الشهري الذي يوزع مع جريدة البعث مجاناً.
تتضمن المختارات الشعرية للراحلة الشاعرة( أمل جراح) قصائد طويلة تقوم على حالة داخلية عفوية متدفقة بأناقة عصرية تستلب دهشة القارئ بكل خفة وقصائد الومضة أو ما يسمى قصيدة الشهقة كحال الشاعرة السورية( مرام مصري) والشاعر السوري( اياد شاهين) لما فيها من حس حداثي يتناسب مع النفس المنتشر في أكثر أصناف القراء.
من الصعب الوقوف عند كل شعر هذه الراحلة الجميلة، فهذا العرض مجرد رسالة وفاء بسيطة من عاشق للشعر الجميل والجديد، ولولا المصادفة لبقيت حسرة في خاطري أني لم أقرأ شعراً ولو قليلاً لقامة مهمة كـ( أمل جراح).
لغة( أمل جراح) الشعرية تتمتع بخصوصية نموذجية وهي تنتمي بأكثر شعرها الى شجرة قصيدة النثر، فالاختباء خلف التفجر الحسي هو ما يميز نصها القصير، لذا نشعر في اكثر طقوس هذه المختارات أنها عبق كثيف من امكنة وصدمات وطبيعة خيالية، فالشفافية الطالعة من نزق شاعري تومض حبة حبة بما يستقي قلب المتلقي، كما لو أنها صور فوتوغرافية عن الذاكرة والدنيا، المقطوعة الآتية من مجموعة( صاح عندليب في الغابة) عام 1978 تقول:( في البعد أحس أنك تجدني/ تحبني في كل عين / تبتسم لي/ تجدني في بعدي عنك)ص12.
ومن خلال استحضار الشاعرة لمدن وتفاصيل شاملة تشابه نفسية المكان في توقيت أرق الرغبة بالتعبير الذاتي،فهي ستنقل لنا حقبة زمنية كان يعاني منها ذاك المكان، بتركيبة نص يمتلك روائح الحس الغائب بمزاج سكري الطعم على وطأة تذوقه حين يغمس القارئ بخاتمة مدوية:( أكتب لك عن مدينة باردة/ تلاحقني أخبار بيروت/ كالدبابيس تحت لحمي/ تلاحقني أخبار بيروت/ كطفل تدوسه عجلات القطار) ص13
وفي نماذج اخرى من شعر( امل جراح) حيث تلعب بسيماء الكلمات بحركة لغوية ممتعة، يتزاوج فيها المخاطب إليه مع ضمير المتكلم الحاضر، حيث الرنين المغناطيسي يوزع حقلاً من المرح والشعر الصادق:( جلست أحداقي بين اصابعي/في مسامي / هذه العروق، هذه الدماء لا أمسك سوى كلمات/ لا ألمس سوى غبار/ تنبض في داخلي كالجنين / تدخل رائحتك كل جسدي/ وأضم يدي إليك/ أينما كانت يدي علي تكون عليك/ ماتزال في/ أيها الممتد من فمي على فمي/ كيف أقتل الغياب؟) ص 14 ـ 15، خاتمة النص عبارة لحظية تسأل فيها نفسها وحبيبها مايجعل الاثنين روحاً واحدة تنطق شعراً.
في سيمفونية الشهقة الشعرية تحترف الشاعرة أفعال الحب والمقاربة الجنونية لهسيس الأحلام، فتحول فكرة القصيدة الى موسيقا ذات إيقاع له وظيفة واحدة ان يجعل جسد القارئ يرتعش في كل حرف تحفظه ذاكرته، كهذه القصيدة الباهرة من مجموعة( صفصافة تكتب اسمها) عام 1986:(أحبك / أهمس بها كلمة دون صوت/ دون حركة في الشفتين/ أحبس نفسي في رئتي/ وأبوح/ أحبك دون وصول/ أحبك دون لقاء/ أحبك وحدك المشتهى/ أتجمل سراً أمام المرايا أجلس مع نفسي وأبوح/ أحبك /ص32
غير أن حضور اللمسة الانثوية في النص لاتنفك تأخذ بنا الى الكثير من بحيرات الموسيقى التي تنشط حركتها العصافير فقط، العصافير الشعرية القادمة من صوت( أمل جراح) البعيدة..
خفة تكثيف التشبيه لاقحام المشهد اليومي الاعتيادي بجرعة كبيرة من الحب كان احد اهم اسباب بروز نص الشاعرة ومكاشفته للتعابير العابرة وتحويلها الى غيمة شعر كبيرة ودافئة تهطل عطراً وندى:( تعال/ بين يدي رغيف أسمر طازج/ عجنته لك بأناملي وأحزاني/ خبزته في احتراق قلبي/ مددته على راحتي دائرة دائرة/ حتى صار مدوراً كقرص الشمس/ وبحب البركة السوداء/ كتبت لك في وسطه / أحبك) ص42 كما هو واضح اتكاز النص على الرسم اخرجه من الحالة البدهية، وجعله نابضاً يخفق رقيقاً الى العاشقين.
وفي تمرد عاطفي لشهوة الوحدة تمرر الشاعرة برفق احتراقاتها الى قريحتنا، دون أن تجرح عيوننا، هادئة بألمها، ومسرورة فقط لأنها تخلق شعراً ، من قصيدة( حزني في الارض) تقول:( أرأيت/ كم حزني ضارب في الارض/ ثيابي سواد الليل/ شمسي قرص لايضيء/ لا أريد أن أعرف/ كيف يذهب السيف الى الخاصرة/ أريد أن امشي وحيدة/ على جدران الكرة الارضية/ خرساء كطير مكتوم الصوت/ نظيفة الروح/ دون عويل ولاصراخ/ دون خوف / دون عذاب/ السيف مغروس في الخاصرة/ فكيف أطير/) ص64
لاتؤلمك الوحدة( أمل ) فقلوب العالم الآن كلها تخفق بك وتشتاقك، أيتها المرأة التي تستحضر مرايا الروح وتعكس مشاعرنا بكلماتها.
تتعدى قصائد أمل جراح احتمالات القارئ، فمواكبتها لحالة الانتظار بنص مجاز وطافح بالحرفية هو دليل جديد على نبوءتها الشعرية، الانتظار الموحش في سيماء قصيدة يأخذ نفوراً لغوياً ومفردات مقاسة بدقة، صافية كضوء النيون وغير شائكة لها من بساطة التركيب المناخ اللازم لانجاب قصيدة رائعة:( من يقتنص روحي من شهوة الموت؟/ من يمزجني بعشق الحياة؟/ من يحمل حنيني الى الحلم اليائس أذوب فيه ولا/ أذوب/ امرأة الكهوف العارية/ وردة شجرة مدينة غابة وحوش ضائعة،/ لوحة تنحني على ريشتها/ تنام في الاخضر والاسود والابيض والاصفر/ تعيش بألوان/ فمن يقتنص روحي من هذا الهذيان؟) ص76..
تحية حب واحتفاء الى الشاعرة الراحلة( امل جراح)، تحية صلاة لها في السماء، فالكثير من الغرائب والجمال في هذه المختارات الشعرية التي اشتريتهابـ 5 ليرات سورية فقط..!
هناك من يوزعها مجاناً (طبعة شعبية) تحمل كنوزاً من الشعر الراقي والضروري، لمن يؤسس لحياة أدبية حافلة..أتمنى ان يقرأ( امل جراح) كل من يتقن اللغة العربية!! فثمن الكتاب بالمجان ولكن مايحمله بين صفحاته قد لاتجدونه في جزر الاحلام من سفر وموسيقا وصخب ألوان ومسابح حياة تنشط البشرة الروحية وتمد بعمر القارئ للأبد.
هذا الاحتفاء( مختارات شعرية لـ أمل جراح) يأتي ضمن احياء التراث الشعري لأعمدة الشعر السوري، الذي نتمنى ممن قاموا بتلك الخطوة إعادتها في مرات كثيرة، حتى يتسنى لنا قراءة مختارات مثلاً للراحل الكبير( رياض الصالح الحسين) والنائمة الجميلة الشاعرة(دعد حداد) والاديب الراحل( ممدوح عدوان) وغيرهم من الشعراء والادباء المهمين والحداثيين في المشهد الثقافي ، إخلاصاً لذكراهم ولإبداعهم أولا وأخيراً فالطبعة شعبية ومجانية وهذه نقلة تسجل في الاحتفاء اللازم بالشعر كنموذج ادبي، وانتشاره في كل مكان، بوصفه بوصلة الارتقاء الثقافي.
نحن بانتظار كتاب شهري جديد كهذا بأهميته، ليكون لمبدعي الوطن الراحلين ومبدعي العالم أيضاً كبطاقة احتفاء بذكراهم وتقديراً منا لهم، لنقرأ ماكتبوه من روائع الأدب.
هم هكذا فرحون في السماء لأن رسالتهم خالدة ونحن من سينقلها جيلاً بعد جيل.
الكتاب: « مختارات شعرية»
المؤلف: أمل جراح
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب
ودار البعث دمشق 2009
مختارات « أمل جراح» الشعرية: سيمفونية الشهقة العاطفية
0
