مرايا الطائر الحرّ لفايز خضور عندما تصبح جراح الشاعر قصيدة أنيقة

جريدة شرفات الشام
عمر الشيخ
العدد 82 …
كتب

مرايا الطائر الحر
مرايا الطائر الحر

تتمتع اللغة الشعرية لدى الشاعر «فايز خضور» باشتقاقات لغوية خاصة وجديدة، ويتلمس القارئ منذ السطور الأولى في كل أعماله حساسية لغوية تعتني بظهور الصور بأسلوب نحتي مركَّز يسحب إيقاعه الموسيقي على طول القصائد وعرضها، وفي تجربته الجديدة (مرايا الطائر الحرّ- منشورات مجلة «فكر» 2010) نشاهد ضجيج الضوء من عدسة الصور الحارَّة، خلال معاينة جمالية في نص شعري واحد مقسم إلى مقاطع، يعبر فيه «خضور» عن أحواله وتجاربه الإنسانية والسياسية والحياتية، بلغة متفردة و موسيقا مرسومة على الكلمات كالنحت الفني، ومتدفقة بلا انفلات، ساحباً على طول سبعين صفحة من القطع المتوسط إيقاعاً حياً وصوراً ذكية «مادية» ملموسة، ملتصقة بمكاشفات هذا الشاعر المدهشة.
في مجموعة الطائر الحر، يدخلنا «خضور» إلى مفهوم الحرية من خلال مثال بسيط طرحه عند سؤالنا له عن انطباعه الشخصي حول ما قدَّمه في (مرايا الطائر الحرّ)، يقول: «عندما يتعامل الإنسان الحر مع أدوات التعبير التجريدية، عليه أن يوصل بلغة مبسطة الفكرة إلى المتلقي أو القارئ، وهو عملياً يوصل الفكرة إلى ذاته، لأن الفكرة نابعة منه ومطبوخة في عقله الباطن وفي رؤيته وفي تجربته وفي معاناته، عليه أن يصوغها صياغة فنية، هنا يأتي دور الصورة بقدر ما تهضم العمل الفني وترفع من قيمته ومستواه بقدر ما هي رداء يواري فيه الحر فكرته، ولكن لا يضيع أو يخفي شيئاً من الفكرة.. وهكذا الشاعر يواري فكرته ضمن هذه الصورة، وهذا الأسلوب يعتمد على الطمأنينة والراحة في التعبير).
وظَّف الشاعر «خضور» جراحه وخيباته وذاكرته ليُشكِّل سياقاً موحداً من الصور الشعرية القاسية لغوياً وفنياً، مبتعداً عن دعوات العطف وشراكة الأمل، وواقفاً وحيداً في مهب الشعر، يمطر تعبه وكحوله في صوت حادٍّ وحنون: (يسقط الصيدُ من حضنه مثخناً، / كلما اعتجلت في الحشا شهوة للغناء..!!)ص7، (مثل طفلٍ يكسر ألعابهُ، / حين يضجر منها. / ويبكي لها حين يشتاقها)ص13، وبالرغم من صلابته في جلد الريح وهي تعيق خطاها، إلا أن أحبّته يتوارون أمام مداها ويرحلون تحت وطأة غضبها، ليعيد الشاعر ندمه إلى جانب الكلمات مواسياً نفسه: (هكذا علّمتهُ الملمّاتُ، / أن يجلد الريح، إن هي عاقت خطاهُ، / فكلّ الذي يرتمي في مداهُ/ حميمٌ، عزيزُ..!!)ص16، هو طائر البرق ترفّع عن رفاه السماء، وتجاوز رفوف النجوم، عاشق أطاح برتابة الوقت: (لم يكن بينهم طامحاً بالرفاه المزور، / ما عاش يهفو إليه، / ولا كان في سنحةِ الوقت يسطو..!!)ص19، ينشغل الشاعر «خضور» في صور الحب، فيلتقط للكائنات فرحاً ويطوي بين جناحيه هموم العالم، همّه الشعر وإلغاء القبح، لم يغره الجاه والضوء، لم تستمِله الصروح: (همّه الشعر والحب والخمر:/ ثالوث دنياه. / نصر الهزائم. / يزهو جمالاً بديعاً. / لينأى عن الكائنات الظلامُ القبيحُ)ص18.
عالياً يرفع نداء التوق من الألم، وأعشاب الجنون ترقص تحت أقدامه، طائر يبعثر موسيقاه وأجنحته مقصوفة الحياة يحلم بالصبا المؤبد: (يعلو نداء التوق، / أسوار التوازن والرزانة، /.. /مندّياً عشب الجنونِ) (البلبل الغريد مبحوح اللهاة، / مقصّفُ الجنحين. / لا يقوى على رفٍّ، ولا بوحٍ. / مداه يغيم في قفص، / يضيقُ عليه مجروح الأنينِ..!)ص 31-32.
هكذا يموسق الشاعر «فايز خضور» قوافي قصيدته الحرّة على اتساع حروف الأبجدية، ويُلوِّن مقاطعه بضربات إزميل لغوي باهر، حيث تسير منحوتاته الشعرية على الورق وتتناثر من أصدائها إيقاعات ووصلات بصرية قصيرة، متوالية، تُكسِب المتلقي أسئلة كبرى عن الحنين والذكريات وتقلبات الزمن.. عن الحزن والدهشة.. عن الشكوى والأسى عن الظلم والغربة.. الطائر الحرّ يعكس في مراياه بقايا الأحلام، ويفتح للبشر أبواباً روحيةً تسعى لإيصالهم لبر نسيان الخطايا: (غنى، وداخَ، بكى، وراح، / يهزّ بالأرجوحة السكرى ثمار الحلم. / لم تلمسه أنفاسُ الرضا. / فمضى بمركبة الحكاية، والتصور والحنين)ص30.
تتمتع قصائد الطائر الحرّ بأناقة جمالية باهرة، مبنية على زخم حياتي وفكري شديد ومميز، حيث يعود الشاعر بنا إلى فنون الكتابة بالصور عبر لغة الأساطير القديمة والمفارقة الفنية المعاصرة، ويحمل في خصائص الشكل خفَّة لغوية متناسقة مع تناص شعري موحَّد، لا تُخرِج القارئ من طقوس طيران شعري مختلف ضمن قصيدة إيقاع التفعيلة الحرة التي يتقنها الشاعر «فايز خضور» بذكاء.
الطائر الحرّ أو «فايز خضور» لا يبتعد هنا كثيراً عن مجموعاته السابقة، فهو برغم ذاك الزخم الشعري الطويل، يؤكد ما بدأه منذ خمسين عاماً من الشعر، ويسير بمكاشفات فنية شعرية جديدة تشبه زمنه ورؤيته، وتحمل بصمة فلسفية خاصة تُقدِّم قصيدته كرؤي حياتية في الشعر السوري المعاصر.

أضف تعليق