جريدة شرفات الشام
عمر الشيخ
مرئي ومسموع
العدد77

كوميديا المكان الواحد، أو الموقع، ولكن كيف يبرمجها صنَّاع الدراما السورية إلى لغة بصرية؟ لقد قدَّمت الساحة الدرامية نماذج مختلفة تصبُّ في خدمة هذه التقنية المتخصِّصة باقتصاد الحجم البصري لأماكن التصوير، والتي تعتمد بشكل كلي على طبيعة النص المقدَّم (القصة القصيرة) في البيئة البصرية الموحَّدة، بالإضافة إلى أهمية القدرة الأدائية التي يتمتع بها الممثل أثناء تبنيِّ الشخصية أو المشهد ككل، ولكن مع ازدياد مغريات التنقُّل بين أماكن طبيعية جديدة باتت حاجة المشاهد إلى مسلسل يُقدِّم له سياحة ودراما معاً ضرورة جماهيرية قائمة بقوة، مع ذلك لن يتوقَّف ذاك النوع الصعب من المسلسلات (سيت كوم)، حيث نخبوية النص، وتميُّز إيقاعه بالإيجاز والتكثيف البصري الهادف.
اتَّجهت معظم شركات الإنتاج في خطوتها ضمن تلك الصناعة نحو العمل الكوميدي الصرف المنزوع من أي لغة جادة، فاعتمد كتَّاب هذه الأنماط من المسلسلات على التهكُّم والسخرية من الوقائع الاجتماعية بأسلوب ناقد يذهب نحو تعرية الحقائق، وكشف نوايا الإنسان الباطنة من خلال ردّات الفعل البسيطة التي يلحقها تحليل بصري ناتج عن تصرفات لا مبالية يعيشها الإنسان يومياً، فجاء مسلسل «عيلة خمس نجوم» تأليف: «حكم البابا وإخراج: هشام شربتجي» عام 1993، وعُرض أول مرة على التلفزيون العربي السوري، كشاهد عيان على أهمية رواج مثل تلك الأعمال ذات التأثير اللحظي عند المشاهد، حيث لاقى العمل جماهيرية كبرى وصلت إلى درجة متابعة الحلقة عدة مرات في اليوم دون الشعور بأي ملل! الأمر الذي جعل للدراما السورية توجُّهاً جديداً في إنتاج أعمال يحكمها هذا الخط البياني من الكوميديا المعاصرة.
أعمال «السيت كوم» شكّلت اليوم نافذة خاصة لها، وحجزت مكاناً مميزاً لا يمكن منافسته على خريطة الدراما السورية، لأن تعدد الأعمال الاجتماعية المعاصرة، وتنوع كتابها، وتوفر بعض الأعمال الكوميدية المحتكرة لصالح فئة معينة من المنتجين والممثلين أغنى حاجة المشاهد للتسلية والتواصل مع قصص أخرى لأناس من أبناء جنسه، ويطلَّع على تجاربهم في الحياة، لكن أن توجد طريقة لمتابعة الحياة بعين كوميدية مميزة؟ هذا ما كان يبحث عنه المشاهد خلال العقدين الماضيين من الزمن.
اليوم إذا نقف أمام إنتاجات عملاقة في الدراما السورية لا نشك في رواجها، بل نبحث عن أعمال «سيت كوم» مميزة فلا نجد منها إلا المستهلك المطبوع بنمطية البهرجة والافتعال المكشوف، ترى لماذا؟ هل اكتملت دائرة السيت كوم السورية التي ما زالت تأخذ ملامحها الجديدة عبر النص المتماسك والنكتة الذكية والطرح المختلف؟ أم أن المشاهد لم يعد يعنيه أصلاً تعاطي جرعات ضحك بطيء؟ إنما صارت غايته التواصل مع الأكشن الدرامي، ورؤية صورة الفضيحة على الشاشة بأقل تكليف عصبي ومادي؟ أين هو الخلل بالتحديد؟
يمكننا تصور أسباب غياب الضحك بكل بساطة، لأن المشاهد أمام كتلة تكنولوجيا كبرى شكَّلت سلاحاً ذا حدين: من ناحية أولى اختصرت له معطيات العالم البصرية بشكل كبير، ومن ناحية ثانية جعلته مشاهداً ومتابعاً كسولاً لتلك المتعة المسماة (سيت كوم) محلي! لِمْ لا؟
الإنسان بطبيعته يبحث عن تكرار الأفعال التي تجعله مسروراً حتى الانتشاء، والمطالب بإنتاج تلفزيوني كوميدي، حتى في شارته وأسماء أبطاله هو حق لتوازن كفَّتيّْ الإنتاج الدرامي في الساحة الفنية السورية، إلا أن الرغبة في تقصِّي أسرار الروح الإنسانية وتحليل الأفعال لمعرفة مسايرتها صارت همّ المشاهد، علماً بأنه يمكن التواصل مع تلك الخفايا عبر راويات «كونديرا وكويلو ودستويفسكي».. لكن المشاهد كما قلنا كسول، والبحث عن الضحك التام لا يهمه، لأنه لا يقرأ أصلاً إلا رسائل الموبايل وصفحة الحوادث هنا وهناك!
أنتجنا محلياً أعمال مهمة تتمتع بتقنية «السيت كوم» معاصرة أتذكر منها (مذكرات عائلية – عائلتي وأنا – إذاعة فيتامين..)، وأعمال مختلفة كان روَّادها من عملاقة الأدب السوري في القصة القصيرة أمثال: «زكريا تامر ومحمد الماغوط».. هذه القامات أغنت الدراما السورية في بدايتها، وعزَّزت حمايتها لتكون ذات هوية خاصة بدعامة ذكاء «السيت كوم» السوري والنخبوي.
