أفلام من تظاهرة المخرج الفرنسي إيركر رومر سينما الأفكار المدهشة

جريدة شرفات الشام
عمر الشيخ
العدد90
مرئي ومسموع

ضمن تظاهرات مهرجان دمشق السينمائي الدولي الثامن عشر عرضت بعض أفلام المخرج الفرنسي الراحل “إيركر رومر” (1921-2010) الذي تميَّز عمله السينمائي بالاعتناء الشديد بالحوارات التي تدير دفة أفلامه وترسم ملامح بصمته الخاصة، إذ إنه يحاول في كل تجربة جديدة له الولوج إلى الهوية الإنسانية ومتغيراتها بعيداً عن المؤثرات البصرية يستعيد «رومر» العهد الأول للفكرة، ويبني على أساس تطورها احتمالات غريبة، سواءً تحول الفيلم إلى إبحار ظني في السوريالية أو تجمد ضمن كوادر قليلة لينقل ضجيج هذا الكائن العجيب الذي يطلقون عليه في الحياة (الإنسان). هنا نطالع نموذجين مختلفين لأسلوب «رومير» في تطبيق الفكرة، وسوف نلاحظ مدى تأثره بتجاربه الروائية السابقة وذلك من خلال تصاعدات الأخذ والرد التي يؤديها أبطال أفلامه.

“قصة حب أستري وسيلادون” قيم إنسانية غائبة
يعود «رومر» في هذا الفيلم إلى قصة رواية كلاسيكية من القرن السابع عشر لينسج بواسطتها قصة أخلاقية معقدة، ترصد قصة حب تدور أحداثها بين شاب وفتاة يوشكان على الزواج الجدي،إلا أن حدوث سوء تفاهم بسيط بينهما حال دون إكمال هذا الزواج، مما يصيب قلبيهما بالفراق المرير،يرتبط سيلادون (آندي جيليه) وأستري (ستيفاني كراينكور) بعلاقة حب قوية جداً ويقسمان ألا يتركا بعضيهما، إلا أن الشاب سيلادون يقع في إغواء فتاة عابرة فتشاهده حبيبته أستري وهو يُقبِّل تلك الفتاة على ضفة النهر المطل على قريتهما فتقرر حرمانه من رؤيتها أو مساسها إلى آخر العمر . وبعد مرور فترة من الزمن تصاب أستري بفزع مفاجئ عندما تكتشف أن سيلادون حاول الانتحار بإلقاء نفسه في النهر حين وصل إليه خبر قرار أستري بالابتعاد عنه، لكن سيلادون يصادف فتاة من المجتمع المخملي (فيرونيك ريمون) تنقذ حياته في اللحظة الأخيرة بسبب غرامها المباغت له. يحاول سيلادون يائساً استعادة حبيبته أستري فيوافق على العمل بنصيحة كاهن يفيده بأن الطريقة الوحيدة لاسترجاع محبوبته هي التنكر بزي امرأة في محاولة لإقامة علاقة صداقة مع أستري، وبالفعل لا تمضي فترة طويلة حتى تتوطد العلاقة بين أستري وهذه الفتاة (سيلادون المتنكر) وتمضيان أحلى الأوقات معاً وتتبادلان القبل والعناق، ولكن حين تقبل أستري على ملامسة صدر صديقتها الجديدة تفاجأ بأنه شاب، عندها يكشف سيلادون عن هويته الحقيقية فيضمها بشغف كأنه يلمسها للمرة الأولى.. الفيلم انتاج عام2007، لكن أحداثه تدور في نهاية القرن السابع عشر بناءً على القصة الخيالية التي اقتبسها «رومر».
نلاحظ في هذا الفيلم مدى احتفاء العاشق بفلسفته الخاصة حين ينعزل في الغابة بعيداً عن حبيبته ليصبح فيما بعد متأملاً وحيداً، يفكر بنورانية روحه كيف يمكن أن يرى حبيبته دون أن يؤذيها مرة أخرى، تلك المثالية الخيالية يصوغها لنا «رومر» بوجهين فكريين، أولهما السخرية من غياب تلك المبادئ الإنسانية السامية المتعلقة بتأنيب الضمير والإخلاص، وثانيهما، الحامل الكوميدي البسيط لتلك القضايا الكبرى، ألا وهو لغة الاختفاء والظهور لتكوين الشوق وإعادة المياه لمجاريها.

فيلم “زوجة الطيار” حكاية عن غرام السذج
في هذا الفيلم نشاهد قصة بسيطة للغاية تدور حول حكاية الحب الأول وتعلق معظم الناس به، إذ يرصد قصة عودة الطيار (كريستيان) إلى عشيقته (آن) السابقة ليعلمها بإنهاء علاقتهما، لأن زوجته حامل وسيضطر للانتقال معها بعيداً عن المدينة التي تقطن فيها، إلا أن عشيقته كانت قد أحبت شاباً يصغرها بعدة سنوات يدعى (فرنسوا) ومن باب المصادفة يشاهد عشيق (آن )الجديد (فرنسوا) خروج (كريستيان) و(آن) معاً من منزلها فيظن أن العلاقة بينهما مازالت قائمة، ثم يحاول (فرنسوا) الاتصال بآن لكنها ترفض التحدث إليه. وبينما يجلس (فرنسوا) في إحدى مقاهي الرصيف المكشوفة يشاهد (كريستيان) مرة ثانية وبصحبته امرأة مجهولة فيعتقد أنها زوجته، وبما أنه في مزاج سيء ولا يعلم ما ينبغي القيام به، يقرر اللحاق بهما. وخلال هذه المتابعة يدخل (فرنسوا) إلى متنزه ويصطدم من دون قصد بطالبة حلوة في ربيعها الخامس عشر تدعى (لوسي) يبدو أنها خرجت من مدرستها ذلك اليوم في إجازة. سرعان ما تستدرج هذه الفتاة (فرنسوا) الذي يكبرها بخمس سنوات كي يروي لها ما حدث معه بالتفصيل. تشعر (لوسي) بالإثارة لسماعها هذه القصة وخصوصاً المواقف الغامضة التي تتقاطع مع قصة (فرنسوا) فتنضم إليه من أجل تعقب أثر الطيار والسيدة التي ترافقه ويبدآن بتأويل الأحداث وخصوصاً عندما يدخل الطيار والمرأة إلى مكتب محامي. تؤكد (لوسي) لفرنسوا أن تلك المرأة هي زوجة الطيار وأنهما دخلا إلى مكتب المحامي بغرض الطلاق. وفي فترة لاحقة يقوم فرنسوا بزيارة (آن) التي تخبره أن السيدة التي كانت بصحبة الطيار هي شقيقته وتؤكد له أيضاً أن علاقتها بالطيار (كريستيان) قد انتهت. وبعد استياء فرانسوا من حبيبته التي تكبره بسنوات يفكر بإرسال بطاقة إلى (لوسي) الصغيرة لينقل إليها هذه الأخبار، لكنه يشاهدها تتبادل القبل مع فتى آخر فيشعر بخيبة أمل فظيعة تقوده لمراقبة عشيق لوسي..
يكشف الفيلم من خلال حواراته المطولة تلك الخفايا اللإرداية التي يقدم عليها الإنسان في تأجج العاطفة، فيتحول إلى شخص ساذج وشبه معتوه، كما حدث مع فرانسوا الذي فتح قلبه للفتاة العابرة (لوسي) وأخبرها بكل شيء رغم أنه استدرجها لتخبره عن أحوالها الاجتماعية والعاطفية فكذبت عليه وأكَّدت أنها لا تحب أحداً إنما تتبع الناس مثله، لولا سذاجة فرنسوا وبساطته لما استطاعت لوسي اكتساب وقت مسل معه لدرجة أنها أعطته عنوان بريدها بدل رقم الهاتف لأنها لن تهتم بشأنه سواء اتصل أم لا، ثم إنها أثبتت للوهلة الأولى أنها مجرد داعم إنساني يود مساعدة العاشق الساذج (فرانسو)..هنا ندخل من جديد مع «رومر» في تلك النماذج الحقيقية من الناس البسطاء الذين يفاجئهم الكذب وتسحقهم حقيقة من يتوددون لهم وهو مزيفون.

أضف تعليق