المخرج السينمائي محمد عبد العزيز لـ (النهضة): كائنات سينمائية وشعرية سوف تحرق الجنة قريباً..!

لقاء: عمر الشيخ
جريدة النهضة
العدد 500

المخرج محمد عبد العزيز
المخرج محمد عبد العزيز

كتب مجموعة نصوص وضمها في كتاب واحد صدر له منذ خمسة أعوام، لم يحاول مجدداً في كار الكتابة الأدبية، سرقه شغفه المرعب بالصورة وتفاصيلها، فعمل في إخراج الإعلانات والأفلام الوثائقية وثقف نفسه بنفسه، منحته احتفالية دمشق عاصمة الثقافة 2008 فرصة إنتاج وإخراج وكتابة فيلمه السينمائي القصير (ظلال النساء المنسيات-2008) حيث تجسدت الأحلام بكل عنفها وحنانها خلف شاشة السينما، ثم قام مهرجان باري الإيطالي بمنح فيلمه الثاني (نصف ملغ نيكوتين-2009) ثلاث جوائز ذهبية عن الإخراج والديكور والملابس..
إنها الصورة الشعرية التي ولدت في كتابات المخرج السينمائي الشاب محمد عبد العزيز تطلقه في تجربة جديدة حيث أنهى منها جزءاً كبيراً ليكون فيلم (دمشق.. مع حبي-2010) الخيانة الجديدة التي يرتكبها مع مدينة القامشلي مسقط رأسه حيث يحضّر لها كائنات غريبة سوف تحرق جنتها الوثنية وتقذفها بملايين الصور إلى كل الكون.. وبمناسبة انتهاءه من تصويره فيلم (دمشق.. مع حبي) الذي يتحدث قصة فتاة دمشقية مقدمة على السفر مع والدها إلى خارج دمشق، وقبل لحظة الطيران تماماً يكشف الأب لغزاً كان قد أخفاه عن ابنته، عندها تتركه الفتاة لتعود وتبحث عن سرّ اختفاء حبّ قديم، ومن خلال رحلة البحث تلك ندخل في مكاشفة بصرية شيقة للجزء الخفي والساحر للمدينة ولكل مكوناتها المتجانسة بشكل مدهش وغريب في آن.. (النهضة) التقت المخرج محمد عبد العزيز وكان الحوار التالي:

أنت شاعر، لماذا تَحوّلَ نصك الشعري إلى سينما؟ هل تؤمن بجدوى الشعر و السينما في هذا الزمن؟ بحضور ثقافة التلفزيون؟
أنا لا اعتبر نفسي شاعرا..عندي بعض المحاولات بكتابة نصوص ربما لها شكل شعري..وأعتقد بأن الشعر هو جوهر الموجودات لذا فإن أي سينما تفتقد للغة الشعرية أرى بأنها تفتقد الجوهر..أما عن الجدوى فالمسألة شائكة والمتلقي بطبعه خاصة في العالم العربي يفر من كل ما هو عميق وذات جدوى لهذا تجدهم يتجمعون كالذباب حول وهج التلفاز الفارغ من أي معنى قد يبثه التلفاز أحياناً، وهو كأداة معرفية لا يقدم سوى القليل الذي لا يترسخ بالذهن فهو يؤطر الأشياء وييقولبها حسب سياسة جهة البث..
في مجموعتك الوحيدة (نيكوتين ـــ 2005) مجموعة نصوص ذكية فيها بعض من صوت محمد الماغوط وشيء من محمود درويش.. هل تأثرت بأحد سينمائياً؟كيف حصل ذلك؟
لم اقرأ الماغوط إلا في عام 2003 بعد أن التقيت به وكنت أصور عنه فيلماً وثائقياً وعندما شاهد الفيلم أهداني مجموعته الشعرية فقرأته أول مرة وقتها كنت قد أنجزت الكثير من نصوص نيكوتين ..أما محمود درويش فلليوم اعتقد بأني قرأت بعض القصائد من هنا وهناك من دواوينه ولا اعتقد باني تأثرت بهما واذا كانت هنا كتقاطعات أتركها لأهل الرأي لتفسيرها، عموماً اقرأ قصائد ولا اقرأ الدواوين..أما سينمائيا فلم أتأثر بأحد من المخرجين ولا وبمدارس وتيارات أحاول أن أكون نفسي حتى أنني لم أتدرج في المهنة على عادة المخرجين لم اعمل مساعدا تحت إدارة أي مخرج.
دمشق مع حبي.. فيلمك الذي انتهيت من تصويره مؤخراً، ما سبب كل هذا التكتم على حكاية الفيلم وشخوصه أمام وسائل الإعلام؟ هل تعطينا لمحة خاصة بالنهضة عن فيلمك الجديد وبعض أسراره؟
في هذه المرحلة بالذات لا استطيع أن أتكلم عن الفيلم ..عندما يصبح جاهزاً ستكون النهضة من أوائل الذين من سيشاهده في المونتاج وعندها ستعرفون سر التكتم.إلى ذلك الحين اعذرني عن الفرار من هذا السؤال..
لقد جمعت في فيلمك الأخير أيضاً مجموعة كبيرة من الفنانين السوريين على حساب ظهور قليل جداً لكل نجم، ما هو هدفك من ذلك؟
الممثل الجيد ه مثل الجملة الشعرية ذات المدى القصير المشبعة بإيقاعها الداخلي في بدن القصيدة، إنها جزء من الإطار العام ومن هذا المنطلق تعاملت مع بعض النجوم الذين أراهم على النحو ذاته ..هو نوع من استعارة أداة شعرية في بنية الفيلم الذي اعتقد بأنه يشبه شكل القصيدة المعاصرة ذات الدفقات المتعددة والقصيرة.
تتحدث عن الصورة بنهم، وتثبت في كل لقاءاتك شغفك بها، ماذا بشأن لغة الحوار في أفلامك لم تقوم بأي شراكة أو ورشة كتابة مع أحد أثناء صناعة نصك السينمائي؟ ألا تظن أن ذلك يرسم حدوداً لرؤيتك المستقبلية؟
لو الأمر يعود لي لكنت اختزلت الحوار إلى حدود الإلغاء اعتقد بأن مقتل السينما يكمن في الحوار والدراما ..حتى عندما تكون في أرقى مستوياتها..أميل للسينما التي تحاكي انطباعاتنا عبر الصورة وسكونها المطبق ..الحوار أو الكلام كوسيلة تعبير استنفدته البشرية منذ أمد بعيد
أما بالنسبة للشراكة لا أجد نفسي مهتما بالمشاريع والورش الجماعية.. العزلة والانطواء عنصران لا أجدهما في مثل هذا النوع من الكتابة وبدونهما أجد نفسي فارغا لا استطيع تقديم شيء..نتاج العقل الفردي أجده أهم بكثير.
فيلميك السابقين (ظلال النساء المنسيات) و(نصف ملغ نيكوتين) احتويا على مضمون رمزي حملته الصورة أكثر من النص، ألا تخشى من قلة تفاعل الجمهور مع ذاك الأسلوب؟
لا..أخشى ذلك! الجمهور مثل القطيع كل ما تقدمه له يأخذ به.. ليس لديه أسلوب ولا معيار قد يأتي أحد مثل المسيح ويصبح ظاهرة وبالمقابل قد يأتي أحد على شاكلة شعبان عبد الرحيم ويصبح ظاهرة..ليس هناك معيار في الشرق..!
قلت مؤخراً أنك (لست وفياً لتجاربك) هل تبرئ نفسك من كل ما قد تنتجه إبداعياً على صعيد السينما والشعر في حال لم يرضي المتلقي؟
عندما قلت لست وفيا لتجاربي ليس من مبدأ اذا لم يعجب المتلقي ..إن أعجبه أم لا.. لا أجد نفسي وفيا لها، عندي هاجس قوي بعدم التقوقع ضمن شكل معين وحتى الآن وربما سأبقى أبحث عن نمط أستطيع من خلاله التعبير عمّا أريد قوله، فكرة الانجاز والجذور والانتماء هي مقتلي وربما مقتل أي شكل إبداعي يريد أن يصيغ نفسه بعيداً من الاتكاء على أي تجربة سابقة.
لاحظنا أن جوائز مهرجان باري الإيطالي التي نالها فيلك (نصف ملغ نيكوتين) انحصرت في الملابس والديكور والإخراج، هل تقدم جغرافيا الأمكنة على حساب فن سرد القصة سينمائياً؟
لا اعتقد أني أقدم شيئا على شيء، لكنني أتعامل مع كل العناصر بنفس السوية أي شيء يحتويه الكادر أعطيه أهمية، وسائل تعبير الممثل ومن كل هذا وعبر الكتل والفراغات أحاول أن أبني روح المعنى المنشود لتكتمل كل العناصر وتصبح كادراً ذي مشهدية بصرية في تناغم قد أصيب فيه أو أتعثر.
إلى أي حد تساهم تقنيات المعدات السينمائية الحديثة في التأثير على صناعة الفيلم السينمائي بالنسبة لك؟
لا غنى عن التقنيات في صناعة الصورة وأنا من أكثر المهووسين بها من باب ترويض الصور الذهنية الجامحة..التقنيات هي الوسيلة الأنجع لصقل كل ما هو حسي وذهني ليأخذ شكله النهائي كصورة تستطيع أن تنقلك عبر اللون والأبعاد والعمق إلى ما تريد قوله.
الفيلم السوري، قليلاً ما تطالعنا هذه العبارة، ألا ترى معي أن السينما في سورية مغبونة والسبب هو الدراما وشغف الناس بالثرثرة؟ كيف تحاول التخلص من هذا الكابوس؟
أسباب غياب السينما كثيرة ولا مجال هنا لذكرها! أما كيف أتخلص منها أنا من اللذين يهربون للصمت أعزل نفسي قدر الإمكان، القراءة هي مسكن حيوي لهذه العدوى المميتة وهي ملجأي الدائم والغريب اليوم كنت أتساءل من أين تنبع كل هذه الثرثرة الجوفاء والكلام الفارغ والناس مأخوذون بها..هذا التوق للثرثرة التي لا تهدأ والأحداث والقصص المفبركة الإرشادية ذات البعد الفولكلوري المجاني ..كابوس لن يغادرنا قريباً للأسف!
لماذا لم تقدم أفلاماً عن مسقط رأسك في القامشلي، ألا تظن أن تلك المدينة أعطتك مخيلة أسست لذائقتك الثقافية، هل تصون الماضي كشاعر وتخونه كسينمائي؟
كل مخزوني البصري والحسي يعود لتلك المدينة الوثينة ذات الجدائل الطينية.. نعم خنتها وسأخونها مراراً… ويوماً ما بعد أن أطعنها الطعنة القاتلة ستجد فيلماً بعنوان الكائنات التي أحرقت الجنة.. والذي انتهيت من كتابته في الشتاء الماضي وعندما يحين الوقت سنفلت رسن الكاميرا لتنقل حملاً من الصور.. يعجز عن نقله أربعون ألف جمل من ذوات السنمين أو أكثر..وقتها سيفتح الشمال صرر أسراره..عندها سنكون بحاجة إلى نوح جديد يعيد طيش طوفان الصور إلى مخابئها السرمدية..

أضف تعليق