التشكيلية جزلة الحسيني المرأة تنطق عن الذاكرة

جريدة شرفات الشام
عمر الشيخ
العدد 74 …
تشكيل


بات بالإمكان الدخول إلى تقنية جديدة في تجسيد اللوحة المعاصرة، من ناحية تركيب المواد وتنوُّعها خلال تكوين موحَّد، الغاية منه إعطاء قوة حركية لتخرج اللوحة عن الاشتغال النمطي بالتلوين والشخوص فقط، وهذا ما سعت الفنانة «جزلة الحسيني» أن تقدِّمه ضمن معرضها الحالي المقام في صالة «تجليات» دمشق، حيث تذهب بأعمالها الجديدة إلى تقنية بصرية مميزة تستخدم فيها الجلد بامتداد جزئي ضمن اللوحة، لتكوين شخوص نافرة فوق خلفية لونية لظلال نساء وغزلان تبحث عن حنين ما، إلى جبال ووديان تركت بقعة مسرّات في حياة جزلة.
يظهر التصوير النحتي في قطع الجلد المتناثر على مساحات اللوحات كما لو أنه عصيان بصري للطبيعة التشكيلية المألوفة، فتأخذ الحركة نتوءها المنظَّم وفق تكوين الأجساد التي تعبّر عن قوة فنية في تغطية أكبر مساحة من النوافذ الحسية الباطنة، ويلعب التوازن بين الكتلة واللون دوراً رئيسياً في تصوير التمثال النصفي الذي تلاشى الجزء الخلفي منه ليتحوَّل إلى إشعاع لوني هائل من المنحنيات الباحثة عن هواجس الحنين التي تسامر الهمسات مع الذاكرة.
أمّا عنوان المعرض «الطيف الأزرق» فهو من وحي كتاب الأديب «حسيب البرغوثي»، والذي يرصد خلاله معايشة الأحداث اليومية في فلسطين عبر توصيف صادق لأبرز معالمها العمرانية وأحوال سكانها هناك، وهذا ما جعل الفنانة تقع في تيار تحريضي لاسترجاع موطنها البعيد المغتصب، ولو عبر الألوان والقماش، وهكذا تفاجئنا الأبواب الخفية التي تظهر في معظم أعمالها على شكل أمنيات للعبور والعودة إلى الذكريات.
تنوَّعت خامات الأعمال في المعرض من قماش و(خيش) ورمال ونتوءات جلدية قافزة.. لتتكون أمامنا فصول مختلفة لمراحل محاكاة الذاكرة، فأحياناً نجد تسعة مربعات من الجلد، وقد احتلَّت مساحات اللوحة بانتظام حاملة في انتفاخاتها الداخلية بنية ممتلئة بالانحناءات، وقد تحوَّلت إلى حروف هيروغليفية من أبجدية الحضارة.
ثمّة مكاشفة تقودها قوة المادة بين التكوين الجليدي للشخوص وبين التصوير اللوني للشخوص المقابلة المشكِّلة في تكاثرها كبرياءً عالياً للمرأة كما في الأساطير الفينيقية، كما نجد في الكتل الجلدية صورة لجسد امرأة مملوء بالالتواء كتعبير عن القلق، ويقابله عدَّة ظلال من شخوص وقد توحَّدت أجسادهم بتناسب لوني متدرِّج، وعليه فإن الإغواء الذي تصدره الكتل الجلدية يفوق طبيعة اللون، لأننا نلمس صوراً من لحم ودم لهواجس مدن هاجر سكنها ظلماً، وبقيت أرواحهم تنتظر على الأسوار.
يمكننا إطلاق تسمية مختلفة لهذا المعرض، مثلاً: «ليونة الأنوثة وغربة الذاكرة»، وذلك لما فيه من غياب تام للزوايا الحادة، فما تفعله «جزلة» من سبك فني لأعمالها تغلفه أيضاً بلمستها الأنثوية اللينة، راسمة بطاقة السفر في الحنين الطويل، لتلتمس الطيف الأزرق الغائب وراء كلمات ألوانها وسكون حزنها.

أضف تعليق